شهدت العاصمة الروسية فعاليات القمة الثامنة لرؤساء دول وحكومات “منتدى الدول المصدرة للغاز”، في ظل ظرفية دولية بالغة التعقيد تتسم باضطرابات جيوسياسية حادة.
وقد رسمت القمة خارطة طريق مشتركة تهدف إلى تأمين إمدادات الطاقة العالمية، ومواجهة سياسات الإقصاء والعقوبات الأحادية، مع التأكيد على الدور المحوري للغاز الطبيعي كبديل مستدام في مسار الانتقال الطاقي.
الغاز كركيزة مستقبلية ورفض لسياسات الإقصاء
وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الغاز سيظل حجر الزاوية للطاقة العالمية، متوقعاً قفزة في الطلب العالمي ليصل إلى 3.5 تريليونات متر مكعب خلال العقود المقبلة.
ودعا بوتين، الذي تستحوذ دول المنتدى مجتمعة على 70% من الإنتاج العالمي للغاز و40% من صادراته، إلى ابتكار مسارات نقل جديدة وتعزيز التنسيق المشترك، محذراً من أن محاولات إقصاء روسيا وفرض قيود على قطاع الطاقة تنعكس سلباً على المستهلكين والشركات.
وهو الطرح الذي زكاه الأمين العام للمنتدى، فيليب روفالو، بتشديده على ضرورة تأمين استثمارات طويلة الأجل في البنى التحتية وتوزيع المخاطر بعدالة، محذراً من التداعيات الكارثية لأي اضطراب في ممرات إستراتيجية كمضيق هرمز.
تنديد بالعقوبات وتأثيرها على أمن الطاقة
هيمنت التوترات الإقليمية على أجندة القمة، حيث انتقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بشدة العقوبات الأحادية والضغوط الأمريكية، متهماً واشنطن وإسرائيل باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية وخلق اضطرابات تهدد الأمن الاقتصادي العالمي.
ورغم الحصار البحري والجوي، كشف بزشكيان أن إنتاج بلاده من الغاز استقر عند 300 مليار متر مكعب، داعياً الدول الأعضاء إلى إطلاق استثمارات مشتركة وتطوير الإدارة الإستراتيجية للقطاع.
أفريقيا والدول النامية: الحق في التنمية والمشاريع الإقليمية
شكلت حماية حقوق الدول النامية محورا أساسيا في تدخلات القادة المشاركين. وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب إلى استقرار التشريعات وتوقيع عقود طويلة الأجل، رافضاً تحميل الدول النامية أعباء الانتقال الطاقي، ومبرزاً رهان الجزائر على “خط الغاز العابر للصحراء” لتعزيز التنمية الأفريقية ومساعيها لتصدير الهيدروجين إلى أوروبا.
من جانبه، ركز رئيس غينيا الاستوائية، تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو، على سيادة الدول على مواردها ودور الغاز في محاربة الفقر الطاقي بالقارة، داعيا إلى التخلي عن العقوبات ونقل التكنولوجيا.
وعلى صعيد تعزيز الإنتاج وتأمين الأسواق، استعرض رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي تحديات تقلب الأسعار وتأثيرها المباشر على الدول النامية، كاشفاً عن خطط ليبية ضخمة لتطوير حقلي “بحر السلام” و”البوري” لزيادة الإنتاج وخفض الانبعاثات الكربونية.
وفي سياق متصل، أكد وزير البترول المصري كريم بدوي أن “أمن الطلب” يوازي في أهميته “أمن الإمدادات”، مسلطاً الضوء على مساعي القاهرة لترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتداول الغاز عبر محطتي “إدكو” و”دمياط” لربط موارد شرق المتوسط وأفريقيا بالأسواق العالمية.
وتتجه مخرجات القمة نحو الاعتماد النهائي لـ “إعلان موسكو”، الذي يرتكز على مبادئ المساواة والعدالة الطاقية، والحياد التكنولوجي، وضمان تكافؤ الفرص، ليكون بمثابة إطار مرجعي يحصن صناعة الغاز العالمية من التقلبات السياسية والاقتصادية.







