حذرت دراسة حديثة أنجزها “مختبر التواصل والفلسفة” بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء من مخاطر الاختراق المعرفي المتصاعد الذي يمارسه الذكاء الاصطناعي التوليدي، مسلطة الضوء على التهديدات المباشرة التي تطال المعارف الإنسانية بفعل ظواهر “الهلوسة المعرفية” والتزييف العميق.
وتتبعت الدراسة، التي حملت عنوان “دور النشر في الوقاية من مخاطر المعلومات المضللة للذكاء الاصطناعي التوليدي” وأعدها الباحث امحمد بدراوي والأستاذ جواد بنيس، تأثيرات هذه التقنيات على الباحثين والكتاب ومصادر المعلومات الموثوقة.
تآكل التفكير النقدي والدهشة المعرفية
استندت الدراسة إلى تقارير دولية متعددة لرصد هذا التحول، مبرزة تراجعاً ملحوظاً في المعارف الوظيفية لصالح قواعد بيانات تقنية مجردة، وهو ما يهدد مقومات الأمن المعرفي المتمثلة في الاستقلالية والفهم والتنوع.
وفي هذا السياق، كشف استبيان لشركة “مايكروسوفت” شمل أكثر من 300 أكاديمي وباحث، أن الانبهار بسرعة وتنظيم مخرجات الذكاء الاصطناعي يخلق حالة من “الدهشة المعرفية” التي تؤدي تدريجياً إلى تقزيم مهارات التفكير النقدي لدى منتجي المعرفة وتعطيل ملكة التحليل لديهم.
استهداف ممنهج ومؤلفات وهمية
وعلى مستوى التضليل الموجه، استحضرت الدراسة تقريراً لوزارة الأمن القومي الأمريكي يوثق استغلال برمجيات الذكاء الاصطناعي لبيانات المستخدمين ومحاكاة سلوكهم بهدف صناعة معلومات مضللة مصممة على المقاس، عبر آلية “الاستهداف الدقيق”.
ويمتد هذا التزييف العميق ليصل إلى سوق النشر، حيث أدى إلى إغراق المنصات بمؤلفات وهمية بأسماء كتاب لا وجود لهم، إلى حد أن تقريراً للمجلس الأوروبي للكتاب كشف أن 88 من أصل أول 100 كتاب متصدر في منصة “أمازون كيندل” هي من إنتاج خالص للذكاء الاصطناعي التوليدي.
هلوسة المصادر ووهم الخبرة
وتطرقت الدراسة إلى خطورة “الهلوسة المعرفية” في البحث الأكاديمي، مشيرة إلى قيام برمجيات الذكاء الاصطناعي باختلاق مراجع ومصادر وهمية كلياً، أو تركيبها عبر دمج أسماء كتاب حقيقيين مع عناوين خيالية.
وسجلت نماذج الذكاء الاصطناعي نسب هلوسة مقلقة عند صياغة المقالات العلمية، بلغت 91.4 بالمائة في برنامج “جيميني”، وحوالي 40 بالمائة في “تشات جي بي تي 3.5″، مما يضرب في صميم الأمانة الأكاديمية.
ولا يتوقف الخطر عند التزييف، بل يتعداه إلى توليد “وهم الخبرة” لدى المستخدم الذي يكتسب ثقة زائدة تدفعه لاتخاذ قرارات بناءً على معطيات مغلوطة، معتقداً امتلاكه لمعرفة تفوق مستواه الحقيقي.
“الشك المعرفي” كدرع وقائي
ولمواجهة هذا الزحف التكنولوجي، أوصت الدراسة بضرورة مواجهة السرعة الفائقة للذكاء الاصطناعي بما أسمته “الصبر القرائي العميق” لدى الإنسان.
ودعت إلى قصر استخدام هذه التقنيات على التجميع والتحليل والتنظيم عوض الاعتماد عليها في الإنتاج المعرفي المباشر.
كما اقترحت تبني نموذج “الشك المعرفي” (Pw Theory) الذي طورته جامعة ستانفورد لتأهيل الباحثين والإعلاميين، من خلال إخضاعهم لاستبيانات تقيس مدى قدرتهم على التشكيك في مخرجات الآلة، تمهيداً لإدماجهم في دورات تكوينية تحصنهم ضد الانسياق وراء الانتشار المعرفي السرابي.







