أسدل الأسطورة الأرجنتينية ليونيل ميسي الستار على مسيرته الدولية الحافلة ليلة أمس الثلاثاء، السادس من أكتوبر 2026، في مباراة ودية استثنائية احتضنها ملعب “ماس مونومنتال” بالعاصمة بوينس آيرس.
وتحت أنظار 85 ألف مشجع غصت بهم المدرجات، قاد ميسي منتخب بلاده لتحقيق فوز مريح بنتيجة ثلاثة أهداف دون رد على حساب منتخب بنين، لتكون هذه المواجهة بمثابة مسك الختام لرحلة دامت واحداً وعشرين عاماً.
أداء استثنائي بلغة الأرقام
رغم الطابع التكريمي للمباراة، أبى صاحب التاسعة والثلاثين عاماً إلا أن يترك بصمته الساحرة المعتادة في مباراته الدولية رقم 208. فقد لعب ميسي الدقائق التسعين كاملة، فارضاً هيمنة هجومية مطلقة تجلت في مساهمته المباشرة في جميع أهداف اللقاء، حيث صنع الهدفين الأول والثاني بتمريرتين حاسمتين لكل من نيكولاس أوتامندي ونيكو باز في الدقيقتين 48 و61 توالياً، قبل أن يختتم الثلاثية بنفسه من علامة الجزاء في الدقيقة 71.
ولم يكتفِ القائد بذلك، بل سدد تسع كرات، منها خمس بين الخشبات الثلاث، ولمس الكرة اثنتي عشرة مرة داخل منطقة جزاء الخصم، مع خلق أربع فرص سانحة للتسجيل ونسبة نجاح بلغت 71 في المائة في تمريرات الثلث الهجومي.
دموع وكلمات للتاريخ
كانت ليلة العاصمة الأرجنتينية مشحونة بالمشاعر الفياضة، حيث توقفت المباراة بعد مرور عشر دقائق من صافرة البداية لتكريم القائد، في مشهد مهيب توجه خلاله لاعبو كلا المنتخبين لمعانقته وسط تصفيق حار وهتافات مدوية من الجماهير.
وعقب إطلاق صافرة النهاية، وقف ميسي محاطاً بأبنائه الثلاثة ليلقي خطاباً وداعياً استمر قرابة عشر دقائق، وصف خلاله قرار الاعتزال بأنه اليوم الأكثر حزناً في مسيرته.
وبكلمات تخنقها العبرات، أكد ميسي أنه سيتألم كثيراً لعدم تمكنه من العودة كلاعب مجدداً، مشدداً على أنه كان يود اللعب بقميص الأرجنتين طوال حياته لأن تمثيل بلاده هو أجمل ما حدث له على الإطلاق.
مسيرة بين الخيبات والانكسارات
لم تكن هذه المسيرة الطويلة مفروشة بالورود في بداياتها ومراحلها الوسطى، بل شهدت تقلبات دراماتيكية كادت أن تعصف بأحلام “البرغوث”.
فقد قاسى ميسي لسنوات من ضغوطات هائلة بسبب إخفاقاته المتكررة في الخطوات النهائية، متجرعاً مرارة الهزيمة في أربع مباريات نهائية كبرى، بدءاً من خسارة نهائي كوبا أمريكا عام 2007، مروراً بالصدمة الكبرى في نهائي كأس العالم 2014 أمام ألمانيا، وصولاً إلى الخسارتين المتتاليتين بركلات الترجيح أمام تشيلي في نهائيي كوبا أمريكا 2015 و2016. وقد دفعته تلك الإخفاقات المتعاقبة في لحظة إحباط شهيرة إلى إعلان اعتزاله الدولي مؤقتاً، قبل أن يتراجع عن قراره ليعود بروح قتالية جديدة.
نهاية مرصعة بالذهب والأرقام
جاءت نقطة التحول التاريخية في صيف عام 2021 عندما عانق أخيراً لقبه الدولي الأول بتتويجه بكوبا أمريكا في البرازيل، ليفتح الباب أمام حقبة ذهبية شهدت التتويج بلقب “الفيناليسيما”، ثم بلوغ قمة المجد الكروي بحصد كأس العالم 2022 في قطر، وإضافة لقب كوبا أمريكا 2024.
ورغم أن مشواره المونديالي الأخير انتهى بخسارة مؤلمة أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026، إلا أن ذلك لم ينتقص من حجم الإرث العظيم الذي بناه.
يغادر ميسي الساحة الدولية وهو يتربع منفرداً على عرش الأرقام القياسية بـ 208 مباريات، مسجلاً 126 هدفاً كالهداف التاريخي لبلاده، ومقدماً 68 تمريرة حاسمة، ليترك خلفه أسطورة خالدة ستظل محفورة في ذاكرة كرة القدم العالمية.







