تشهد المنطقة الحدودية المشتركة بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، المعروفة بـ”المثلث الحدودي”، تصعيداً دموياً غير مسبوق بين فرع تنظيم “داعش” في الساحل وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الموالية لتنظيم “القاعدة”.
وتتركز المعارك الطاحنة حول بسط النفوذ على طرق الإمداد الاستراتيجية وشبكات التجنيد في هذه المناطق الشاسعة التي يصعب إخضاعها للمراقبة الأمنية.
وفي أحدث فصول هذا الصراع العنيف، أعلن تنظيم “داعش”، يوم الإثنين الماضي، مسؤوليته عن مقتل أكثر من 400 مقاتل من الجماعة المنافسة، بينهم قيادات بارزة، إثر معارك ضارية دارت يوم الجمعة في محافظة أودالان شمال بوركينا فاسو.
وتأتي هذه الحصيلة الثقيلة، التي إن تأكدت ستجعلها المواجهة الأكثر دموية بين التنظيمين منذ بدء صراعهما عام 2019، بعد أسابيع قليلة من إعلان “داعش” مطلع شتنبر الماضي مقتل 200 عنصر من “نصرة الإسلام” وإعدام 30 أسيراً.
ووفقاً لبيانات منظمة “أكليد” المتخصصة، فقد شهدت الفترة من 2019 إلى شتنبر 2026 أكثر من 320 مواجهة مباشرة بين الطرفين، أسفرت عن سقوط نحو 2200 قتيل، في تصعيد وصفه تقرير حديث لخبراء الأمم المتحدة بأنه النزاع “الأكثر حدة على المستوى العالمي” بين فروع تنظيمي “القاعدة” و”داعش”.
توسع الرقعة الجغرافية واختلاف الاستراتيجيات
ولم يعد الصراع مقتصراً على مالي وبوركينا فاسو؛ إذ تشير تقارير، بينها دراسة لمركز صوفان، إلى أن تنظيم “داعش” نجح في توسيع رقعة عملياته انطلاقاً من معقله في ميناكا المالية، لتمتد إلى مناطق غرب النيجر (تاهوا، دوسو، ومارادي) وصولاً إلى تخوم نيجيريا.
هذا التمدد يتيح لـ”داعش” ربط قنوات الاتصال والإمداد مع فرعه في حوض بحيرة تشاد، المعروف بـ”ولاية غرب إفريقيا”، مما يعقد الخريطة الأمنية ويضع المنطقة أمام مخاطر نشاط مسلح مترابط جغرافياً.
وتغذي هذا الصراع اختلافات استراتيجية وعقائدية عميقة؛ فبينما تميل جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى عقد تحالفات براغماتية مع مجتمعات محلية لترسيخ نفوذها وتوجيه ضرباتها بالأساس ضد القوات الحكومية، يتبنى “داعش” نهجاً أكثر راديكالية وعابراً للحدود، يسعى لفرض ما يسميه “الخلافة” بقوة السلاح وإخضاع أو إبادة كل من يعارض سلطته.
وقد دفع هذا التباين، بحسب تقارير أممية، إلى تسجيل حالات انشقاق محدودة، من بينها تصفية جماعة “نصرة الإسلام” لأحد قادتها في يوليوز الماضي إثر التحاقه بـ”داعش”.
تفوق عددي لـ”القاعدة” ونذر هجوم مضاد
رغم الضربات القاسية التي أعلنها “داعش”، لا تزال جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تحتفظ بتفوق عددي حاسم، حيث يقدر خبراء الأمم المتحدة قوامها بما بين 7000 و8000 مقاتل، مقارنة بنحو 2000 عنصر تابعين لـ”داعش”، وهو ما يجعل الجماعة الموالية لـ”القاعدة” التهديد الإرهابي الأول في الساحل.
وفي هذا السياق، يتوقع خبراء أمنيون قيام الجماعة بشن هجمات مضادة واسعة النطاق خلال الأيام المقبلة لتعويض خسائرها الفادحة، خاصة مع توارد تقارير عن استقدامها تعزيزات مقاتلة كبيرة إلى جبهات القتال.
ووسط هذا المشهد المعقد، تجد دول تحالف الساحل (مالي، بوركينا فاسو، والنيجر) نفسها أمام تحديات أمنية مركبة، في ظل اتساع رقعة نفوذ الجماعات المتناحرة وتحول حدودها إلى بؤر خارجة عن السيطرة.







