رصدت دراسة حديثة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) تحولاً جذرياً في المشهد الرقمي المغربي؛ حيث لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات افتراضية للترفيه، بل تحولت إلى بنية أساسية للتعبير والمشاركة والتعبئة المجتمعية.
وتسلط الدراسة الضوء على الدور المزدوج لهذه المنصات؛ فبينما تمنح فرصاً ديمقراطية غير مسبوقة لتوسيع النقاش العام، تفتح في الوقت ذاته الباب أمام مخاطر التضليل والتلاعب والتأثير الخارجي.
وقد استندت هذه الخلاصات إلى مؤشرات رقمية تعكس تبنياً مجتمعياً واسعاً وكثيفاً لهذه المنصات خلال سنة 2024، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
-
انتشار شبه شامل: بلغت نسبة المستخدمين 99% من إجمالي مستخدمي الإنترنت بالمغرب، ما يمثل حوالي 85% من مجموع السكان البالغين 5 سنوات فما فوق.
-
كثافة الاستخدام: 92% يلجون إلى هذه الشبكات بشكل يومي أو شبه يومي، بينما يقضي 13% أكثر من 4 ساعات يومياً في تصفحها (مقارنة بـ 7% فقط سنة 2019).
-
هيمنة الهواتف والتطبيقات الكبرى: 94% من المستخدمين يتصلون عبر الهواتف الذكية، مع تصدر “واتساب” (76%) و”فيسبوك” (65%) كأبرز أدوات نشر المعلومات وتنسيق التعبئة.
محطات بارزة في التعبئة الرقمية
ولفهم هذا التحول، استحضرت الدراسة محطات مفصلية أثبتت فيها المنصات الرقمية قدرتها الفائقة على التحشيد. ففي بداياتها مع حركة 20 فبراير وحراك الريف (2016-2017)، لعبت المنصات دوراً محورياً في كسر احتكار القنوات التقليدية ونقل صور الاحتجاجات والمطالب لتتخذ صدى وطنياً ودولياً. غير أن الطبيعة الأفقية لهذه الحركات وغياب الهياكل التنظيمية جعلتها هشة أمام تناسل الإشاعات.
وخلال زلزال الحوز (شتنبر 2023)، برز وجه آخر للتعبئة، حيث تحولت التطبيقات إلى “غرف عمليات” لوجستية قادت جهود الإغاثة، وتوجيه المساعدات، وجمع التبرعات من داخل المغرب وخارجه. لكن هذه التجربة الإنسانية لم تسلم بدورها من التشويش، بسبب تداول أخبار كاذبة أربكت أحياناً مسار المساعدات.
أما المحطة الأحدث التي توقفت عندها الدراسة، فتتعلق بحركة “جيل زد 212” (شتنبر 2025)، التي انطلقت من خادم “ديسكورد” إثر وفاة نساء حوامل بمستشفى في أكادير، لتنتقل المطالب بسرعة البرق إلى منصات “إكس” و”تيك توك” وتتسع لتشمل قضايا الصحة والتعليم والتفاوتات الاجتماعية.
وفي هذه المحطة بالذات، رصدت الدراسة تحولاً مقلقاً يتمثل في تسجيل تضخيم اصطناعي للوسوم (Hashtags) ونشاط مكثف لحسابات أجنبية حاولت توجيه النقاش، مما يؤكد هشاشة هذه الفضاءات أمام محاولات التأثير الخارجي.
الفرص الديمقراطية في مواجهة الخوارزميات
تؤكد “الهاكا” أن قوة هذه المنصات تكمن في قدرتها على اختصار المسافة بين الحدث المحلي والرأي العام، ومنح الأفراد قدرة استثنائية على إيصال أصواتهم.
وفي المقابل، تحذر من فخ ما يُعرف بـ”النشاط الرقمي السطحي” (Slacktivism)، حيث يكتفي المستخدمون بالتفاعل الافتراضي وإبداء الإعجاب دون أن يتحول ذلك إلى مشاركة ميدانية فعلية، فضلاً عن خطر الانعزال داخل بيئات معلوماتية مغلقة تخلقها الخوارزميات لتعيد إنتاج نفس المواقف وتعزز الاستقطاب.
وتخلص الدراسة إلى أن الرهان اليوم في المغرب لا يكمن في إقصاء شبكات التواصل من الحياة العامة، بل في إيجاد توازن يحمي المجال الديمقراطي. ولتحقيق هذه الغاية، توصي الهيئة بضرورة إدماج “المواطنة الرقمية” في المناهج التعليمية، وتكوين المدرسين للرفع من الحس النقدي لدى الأجيال الصاعدة، مع المطالبة بفرض قواعد شفافية ومساءلة أكثر صرامة على المنصات الرقمية لضمان عدم تحولها إلى معاول لإرباك النقاش العمومي.







