تنطلق أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وسط مشهد دولي بالغ التعقيد، تتشابك فيه حروب الطاقة وتأمين الممرات الملاحية مع تحديات الحوكمة التكنولوجية.
وتفرض التداعيات المباشرة للحرب الأمريكية – الإيرانية، والنزاع الروسي – الأوكراني، إيقاعها المرجعي على أروقة النقاش الأممي، محولةً هذه الدورة إلى منصة لاختبار توازنات القوى، ومحاولة احتواء النزاعات التي باتت تهدد شرايين الاقتصاد العالمي.
هندسة الأمن الإقليمي وتقاطعات الطاقة
تطغى الهواجس الأمنية على المباحثات الجانبية للوفود، حيث أضحى أمن المضايق الاستراتيجية محدداً حاسماً لأسعار النفط وحركة التجارة الدولية. وتتبلور هذه الدينامية الجيوسياسية في عدة مسارات:
-
دبلوماسية التهدئة المفتوحة: أحدثت إشارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول انفتاحه المحتمل على لقاء نظيره الإيراني مسعود بزشكيان رجة إيجابية سريعة في أسواق النفط، مما يؤكد حساسية الأسواق واعتمادها على الإشارات الدبلوماسية كمؤشرات لخفض التصعيد.
-
إعادة ضبط الإيقاع الخليجي: تطفو على السطح تساؤلات جوهرية حول الموقع الجديد للسعودية في الترتيبات الأمنية المرتقبة، ومستويات التنسيق مع الإمارات لإدارة تعقيدات الملف اليمني وتطويق التهديدات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب.
-
أوكرانيا وضغوط أسواق الديزل: يحمل اللقاء المرتقب بين ترامب وزيلينسكي تبايناً في الأولويات؛ ففي حين تسعى كييف لضمان استدامة الدعم الأمريكي، تضغط واشنطن لوقف الضربات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية، تفادياً لأي صدمات جديدة في أسعار الطاقة العالمية.
مفارقة الدبلوماسية: ثقل واشنطن في مواجهة أروقة نيويورك
وفي مفارقة تسحب جزءاً كبيراً من الزخم السياسي لنيويورك، تتجه أنظار العالم نحو العاصمة واشنطن، التي ستحتضن قمة حاسمة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ (الغائب عن الجمعية العامة). ويؤشر هذا اللقاء الثنائي — الذي سيحسم في قضايا مصيرية كالتجارة، وتايوان، والحرب الإيرانية، والذكاء الاصطناعي — على أن التوافقات الكبرى باتت تُهندس خارج قبة الأمم المتحدة، مما يعكس تحولاً ملموساً في مراكز الثقل الدبلوماسي.
جبهة “الذكاء الاصطناعي” وتحدي الفجوة الرقمية وبعيداً عن صخب المدافع، يفتح “يوم التعاون الرقمي” مساراً موازياً يعكس تحولاً في طبيعة التفكير الأممي؛ من مجرد التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى مأسسة حوكمته، وذلك عبر:
-
صندوق التضامن التكنولوجي: مناقشة مقترحات جدية لإحداث صندوق عالمي يهدف إلى مساعدة الدول النامية على بناء قدراتها الرقمية، وتضييق الفجوة التكنولوجية المتسعة بين الشمال والجنوب.
-
توحيد المعايير والبنية التحتية: الانخراط في هندسة معايير دولية واضحة تضمن التوزيع العادل لفرص الذكاء الاصطناعي، وتمنع احتكار القوى الكبرى لهذا المورد الحيوي.
وفي ظل هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات، يجد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، نفسه في دورته الوداعية أمام مهمة شاقة. فخطابه الأخير يضع خفض التصعيد العسكري واستعادة لغة الحوار كطوق نجاة أخير لإنقاذ نظام عالمي تتقاذفه أزمات الملاحة، وحروب الطاقة، وتحديات التكنولوجيا غير المسبوقة.







