طوى رئيس الحكومة السابق، عزيز أخنوش، صفحة تقارب ثلاثة عقود من الحضور في المشهد السياسي المغربي، منها عشرون عاماً في دوائر القرار الحكومي والحزبي.
وفي تقرير لمجلة “جون أفريك” الفرنسية بعنوان “في المغرب.. خروج عزيز أخنوش بين الضوء والظل”، رصدت المجلة محطات الأسابيع الأخيرة التي مهدت لانسحاب الرجل البالغ من العمر 65 عاماً من الواجهة السياسية عقب استحقاقات 23 شتنبر 2026، وما رافق ذلك من تحولات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.
انسحاب تدريجي بعيداً عن الأضواء
بدأت أولى إشارات المغادرة يوم الاقتراع التشريعي في 23 شتنبر الماضي، حين اختار أخنوش الإدلاء بصوته في وقت مبكر وبعيداً عن عدسات الصحافة، بطلب شخصي منه لتفادي التغطية الإعلامية.
ومع إعلان النتائج التي أسفرت عن تراجع فريق التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعداً، اكتفى أخنوش بتهنئة حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر، مدافعاً في الآن ذاته عن حصيلة ولايته الحكومية.
وبعد يومين فقط من الاقتراع، شرع أخنوش فعلياً في تفكيك جهازه الخاص؛ إذ سلم مبعوثون عنه رسائل شكر ومستحقات مالية لفريق التواصل الانتخابي بمقر الحزب في الرباط، في خطوة قُرئت على أنها بداية سحب ترتيباته الخاصة من المشهد.
وتكرس هذا الصمت خلال افتتاح السنة التشريعية في 9 أكتوبر الجاري، حيث ظهر إلى جانب خليفته فاطمة الزهراء المنصوري رافضاً الإدلاء بأي تصريح صحفي، وصولاً إلى مراسم تسليم السلط في 17 أكتوبر، غداة التعيين الملكي للحكومة الجديدة، والتي غادر على إثرها مقر رئاسة الحكومة بهدوء.
ويمتد هذا الانسحاب ليشمل مهامه الترابية؛ فرغم استمرار ولايته القانونية على رأس المجلس الجماعي لأكادير إلى غاية 2027، إلا أن غيابه عن الدورة العادية للمجلس في 7 أكتوبر الجاري، والتي ترأسها نائبه مصطفى بودرقة، يعكس توجهه نحو عدم الترشح لولاية جديدة، وسط تأكيدات من محيطه بأنه يرفض لعب دور “المستشار غير الرسمي” داخل الحزب، منطلقاً من قناعة مفادها أن “من يغادر السياسة يغادرها نهائياً”.
العودة إلى عالم الأعمال وجدل “الاعتزال النهائي”
وفقاً للمعطيات التي أوردتها المجلة، يتجه أخنوش نحو استئناف نشاطه في عالم الأعمال والإشراف مجدداً على مجموعته العائلية “أكوا”، والتي كان قد أعلن انسحابه الطوعي من تدبيرها عقب تعيينه رئيساً للحكومة عام 2021.
ومع أن أخنوش كان قد مهد لرحيله منذ يناير 2026 بإعلانه عدم الترشح لولاية حكومية ثانية وتنحيه عن رئاسة الحزب لصالح محمد شوكي في فبراير الماضي، إلا أن مساره السياسي — الذي بدأ وزيراً للفلاحة عام 2007 عبر ثلاث حكومات، وشهد إعلاناً سابقاً بالانسحاب في ماي 2016 قبل العودة لرئاسة “الأحرار” في أكتوبر من العام نفسه — يبقي باب التساؤلات مفتوحاً.
وفي هذا السياق، يرى الباحث ياسين البهلولي أن مسار الرجل اتسم تاريخياً بالانسحاب والعودة وفق الظروف، غير أن استهلاك السنوات الخمس الأخيرة على رأس الحكومة يجعل “إعادة تدويره سياسياً” أمراً بالغ الصعوبة، في حين يؤكد المقربون منه أن انخراطه القوي في الحملة الانتخابية الأخيرة لم يكن سوى دفاع عن حصيلته الحكومية ودعم لمرشحي الحزب.
صراع التركة وإعادة ترتيب الأوراق داخل “الأحرار”
بموازاة خروج أخنوش، انتقل الثقل السياسي إلى داخل التجمع الوطني للأحرار، حيث بدأت معركة إعادة التموقع وتقاسم النفوذ بين أبرز قيادات الحزب، وفي مقدمتهم رشيد الطالبي العلمي، ومصطفى بايتاس، ومحمد أوجار، إلى جانب أعيان وقيادات جهوية وبرلمانية.
وتشير المعطيات إلى بروز توترات داخل الفريق النيابي للحزب بين “الحرس القديم” المرتبط تقليدياً بهياكل التجمع، والوافدين الجدد الذين التحقوا بالحزب إبان “مرحلة أخنوش”.
هذا التباين الداخلي انعكس أيضاً على أجندة الحزب التنظيمية، حيث تتصاعد دعوات من تيارات متعجلة لعقد مؤتمر استثنائي للحسم في التوازنات الجديدة ابتداءً من دجنبر المقبل، بينما يتمسك تيار آخر بإرجاء المحطة التنظيمية إلى غاية فبراير 2027.







