يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعائلته، منذ انطلاق ولايته الرئاسية الثانية، عاصفة من الانتقادات والاتهامات المتعلقة بالإثراء الشخصي غير المشروع وتضارب المصالح.
وفي مفارقة أثارت انتباه الأوساط الاقتصادية والسياسية في واشنطن، كشفت مجلة “فوربس” الأمريكية أن الثروة الشخصية لترامب شهدت قفزة صاروخية، منتقلة من 2.3 مليار دولار في عام 2024 إلى 6.5 مليار دولار بحلول عام 2026.
ورغم النفي القاطع من جانب الرئيس وإدارته لهذه الادعاءات، إلا أن تقارير صحفية، مثل “الغارديان” و”وول ستريت جورنال”، ترسم صورة معقدة لتداخل غير مسبوق بين المكتب البيضاوي والمصالح التجارية لعائلة ترامب.
طفرة العملات المشفرة ومشاريع العائلة
شكلت الأصول الرقمية المحرك الأساسي لهذه الطفرة المالية. وتكشف الإفصاحات المالية الصادرة منتصف عام 2026 أن ترامب حقق إيرادات استثنائية تجاوزت ملياري دولار خلال عام 2025 وحده. وقد قاد هذه العوائد مشروع “وورلد ليبرتي فاينانشال” (World Liberty Financial)، الذي يديره الرئيس بالشراكة المباشرة مع أبنائه، إلى جانب مبيعات ضخمة لعملات رقمية (Meme coins) تحمل اسمه، أبرزها عملة ($TRUMP) التي أُطلقت قُبيل أيام فقط من حفل تنصيبه.
غير أن هذا الصعود المالي الشخصي قابله انهيار في محافظ المواطنين؛ إذ كشف تقرير حديث لصحيفة “الغارديان” نُشر في غشت 2026، أن المستثمرين في هذه العملات المرتبطة باسم الرئيس تكبدوا خسائر فادحة ناهزت 3.8 مليار دولار إثر التراجع الحاد في قيمتها. وهو ما فتح باب الانتقادات واسعاً من قِبل خبراء الأخلاقيات الذين يتهمونه باستغلال ثقل منصبه السيادي للترويج لأصول عالية المخاطر بهدف التربح السريع.
تسليع المعلومات الرئاسية عبر “تروث سوشيال”
ولم يقتصر الجدل على سوق العملات المشفرة، بل امتد ليطول منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال” (Truth Social)، فقد أثار مقترح للشركة بإطلاق خدمة وصول مدفوعة (Truth API) زلزالاً سياسياً، حيث تتيح هذه الميزة للمشتركين الأثرياء دفع رسوم تصل إلى 100 ألف دولار شهرياً مقابل الاطلاع المبكر والحصري على منشورات ترامب قبل نشرها للعموم.
هذا التوجه دفع شخصيات ديمقراطية بارزة، وفي مقدمتهم السيناتور مارك وارنر، إلى توجيه تحذيرات شديدة اللهجة لكبرى مؤسسات “وول ستريت” المالية لرفض الانخراط في هذا المخطط. واعتبر المشرعون أن بيع الوصول المسبق لمعلومات وتوجهات رئاسية يمثل “تسليعاً” لقرارات قد تُحدث تقلبات حادة في الأسواق المالية العالمية، ويجسد استغلالاً تجارياً للمعلومة السيادية.
هدايا أجنبية وتسويات ضريبية مثيرة للجدل
وعلى صعيد العلاقات الخارجية والقانونية، عادت قضية انتهاك البند الدستوري المتعلق بـ”المكافآت والهدايا الأجنبية” لتتصدر العناوين. وتشير تقارير استقصائية إلى قبول ترامب لطائرة خاصة قُدرت قيمتها بنحو 400 مليون دولار كهدية من دولة قطر، ناهيك عن استفادة مشاريع العائلة الفندقية وملاعب الغولف من تدفقات مالية ودعم من كيانات أجنبية.
داخلياً، طالت الانتقادات توظيف الرئيس لوزارة العدل لتمرير تسوية مثيرة للجدل في دعوى قضائية بقيمة 10 مليارات دولار، كان قد رفعها ضد مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) على خلفية تسريب إقراراته الضريبية. ويُعتقد أن هذه التسوية، التي وُصفت بالاستثنائية، منحت عائلته حصانة غير مسبوقة من المراجعات الضريبية السابقة، ووفرت لخزينته الشخصية ما يقارب 100 مليون دولار.
دفاع رسمي وانتقادات حقوقية غير مسبوقة
وفي مواجهة هذه الاتهامات المتناسلة، تتبنى الإدارة الأمريكية موقف النفي المطلق. وتؤكد المتحدثة باسم ترامب التزامه التام بكافة القوانين الفيدرالية المنظمة لتضارب المصالح. من جهته، يقلل الرئيس من شأن هذه المخاوف بشكل مستمر، مشدداً في تصريحاته على أنه يمتلك “عائلة نزيهة جداً”، ومذكّراً الرأي العام بأنه تنازل عن راتبه الرئاسي كدليل على عدم سعيه للتربح من منصبه.
إلا أن هذه التبريرات لم تقنع الأوساط القانونية في الولايات المتحدة. ويرى خبراء بارزون، من بينهم لاري نوبل، المستشار العام السابق للجنة الانتخابات الفيدرالية، أن الولاية الثانية لترامب تشهد مستويات خطيرة من تداخل الصلاحيات العامة مع المكاسب الخاصة.
وقد ذهب نوبل إلى حد وصف الإدارة الحالية بأنها “الأكثر فساداً بشكل علني في التاريخ”، معتبراً أن التوظيف المباشر للنفوذ الرئاسي في خدمة إمبراطورية العائلة المالية يضع استقلالية القرار في البيت الأبيض أمام أصعب اختباراته في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.







