تعتزم فرنسا إطلاق مسار قانوني لحظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتلتحق بذلك ببريطانيا التي أعلنت، اليوم الثلاثاء، عن قرار مماثل ترافق مع حزمة عقوبات استهدفت شخصيات وكيانات متورطة في التوسع الاستيطاني.
وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الوضع في الضفة الغربية بأنه “على حافة الانفجار”، محذرا من التداعيات الخطيرة لـ”التوسع الاستيطاني المحموم” وتصاعد وتيرة العنف التي يمارسها المستوطنون المتطرفون.
الانتقال من التمييز التجاري إلى الحظر الشامل
عملت باريس على صياغة هذا القرار منذ أشهر، غير أن التدهور الميداني السريع في الضفة الغربية وغياب التوافق داخل أروقة الاتحاد الأوروبي دفعاها إلى تسريع وتيرة التنفيذ. ورغم أن التفاصيل القانونية والجدول الزمني لم يُحسما بعد، تشدد الدبلوماسية الفرنسية على أن الخطوة لا تمثل مقاطعة لدولة إسرائيل، بل تستهدف حصرا البضائع المنتجة داخل المستوطنات المقامة على أراضٍ محتلة منذ عام 1967، والتي تُعد غير شرعية بموجب القانون الدولي.
وحتى الآن، كان يُسمح بدخول هذه المنتجات إلى السوق الأوروبية شريطة وضع ملصقات توضح مصدرها بدقة، استنادا إلى قرار صادر عن محكمة العدل الأوروبية لعام 2019، مع حرمانها من الامتيازات الجمركية الممنوحة للبضائع الإسرائيلية. غير أن المقاربة الفرنسية الجديدة تسعى للانتقال من هذا المنطق التمييزي الصرف إلى الحظر التام.
ريادة بريطانية ورد إسرائيلي غاضب
تزامنت هذه التطورات مع بيان مشترك أصدرته اثنتا عشرة دولة، من بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وكندا، حذرت فيه من بلوغ عنف المستوطنين “مستويات غير مسبوقة”. وفي صدارة هذا الحراك، أعلن وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، أمام مجلس العموم عن فرض عقوبات صارمة على الأطراف الداعمة للتوسع الاستيطاني، متهما الحكومة الإسرائيلية بـ”غض الطرف” عما وصفه بـ”تطهير عرقي” ينفذه “مستوطنون إرهابيون”.
الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وحازماً، حيث أعلن وزير الخارجية، جدعون ساعر، عن حزمة إجراءات مضادة استهدفت لندن، شملت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، واستبعاد المندوبين البريطانيين من المركز الدولي لدعم غزة في منطقة “كريات جات”، مع منع بريطانيا من المشاركة في تدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. كما شملت العقوبات منع اثني عشر مسؤولا بريطانيا من دخول الأراضي الإسرائيلية، حيث اتهم ساعر الحكومة العمالية في لندن بـ”التدخل السافر” في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.
تجاوز الفيتو الأوروبي وخطر المنطقة “E1”
على الصعيد الأوروبي، قادت فرنسا والسويد منذ الربيع الماضي جهودا مكثفة لحث بروكسل على تقييد واردات المستوطنات، غير أن المساعي اصطدمت بخلافات قانونية وسياسية حادة. فبينما ترى الدول الداعمة للحظر إمكانية تمريره كـ”إجراء تجاري” يحتاج فقط إلى الأغلبية المؤهلة، تصر دول أخرى، تتقدمها ألمانيا وإيطاليا، على اعتباره “عقوبة” تستوجب الإجماع المطلق. وأمام هذا الجمود، قررت باريس المضي قدما وتوحيد جهود العواصم المستعدة للتحرك خارج الإطار الأوروبي البطيء.
ويُعزى هذا التحرك العاجل بالأساس إلى تسارع وتيرة البناء الاستيطاني، لا سيما بعد طرح عطاءات إسرائيلية جديدة في المنطقة “E1” شرق القدس. ويشكل هذا المشروع الاستيطاني تهديداً وجودياً للفلسطينيين، كونه يعزل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويقضي عملياً على أي أمل في إقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي، في وقت يعيش فيه أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي جنباً إلى جنب مع نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية (خارج القدس الشرقية).
معضلة التتبع ورسائل السياسة
يواجه قرار الحظر تحديا عمليا يتمثل في التتبع الدقيق لمنشأ البضائع. فقد كشفت منظمة “المركز العالمي لتقاضي الصدى” الحقوقية عن عمليات تمويه واسعة؛ حيث أظهر تحليل لآلاف الفواتير أن نسبة تقارب 16.7% من المنتجات القادمة من المستوطنات تدخل السوق الأوروبية بشكل احتيالي تحت غطاء “صنع في إسرائيل”.
ورغم أن حجم التجارة مع المستوطنات يبقى هامشيا، إلا أن الحمولة السياسية للقرار تبدو بالغة الأهمية. وتسعى باريس من خلال هذه الخطوة إلى قطع أي صلة تجارية تساهم في إنعاش التوسع الاستيطاني خلف الخط الأخضر لعام 1949، مع الحرص التام على الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية الطبيعية مع إسرائيل. وقد لخص الوزير بارو هذه المعادلة بتأكيده على التزام بلاده “الثابت” بأمن إسرائيل، معتبراً في الوقت ذاته أن الاستيطان هو التهديد الحقيقي لهذا الأمن ولحل الدولتين، ومشدداً على أن فرنسا “لن تدعم من خلال تجارتها وضعاً يهدد أمن الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء”.







