أطلقت شركة “أوبن إي آي” (OpenAI)، يوم أمس الخميس، “GPT-6 Astra”، وهو نموذج جديد للذكاء الاصطناعي قادر بمفرده على اختراق أنظمة معلوماتية بالغة التحصين. وقد جرى الكشف عن هذا النموذج للجمهور مزوداً بآليات مراقبة آلية — بمثابة حواجز أمان — ستخضع فعاليتها للاختبار مع توالي الاستخدامات.
وفي مرحلة أولى، سيقتصر استخدام “GPT-6” على “عدد محدود من المؤسسات”، على أن يصبح متاحاً “خلال الأيام المقبلة” للمشتركين في النسخة المدفوعة من “تشات جي بي تي” (ChatGPT)، روبوت المحادثة الذي يستخدمه مليار شخص أسبوعياً، وفقاً لبيانات الشركة. ولن يتاح هذا الإصدار للمستخدمين بالنسخة المجانية.
وصرح رئيس “أوبن إي آي”، غريغ بروكمان، للصحفيين قائلاً: “عند بلوغ هذا المستوى من القدرات، يجب أن يتصدر الأمان سلم أولوياتنا المطلقة”، وذلك في ختام صيف طبعته تسريبات حول عمليات اختراق نُفذت بشكل عفوي بواسطة أدوات تابعة للشركة وأخرى لشركات منافسة. ويُعد “أسترا” (Astra)، الذي يرى النور بعد عام واحد من إطلاق “GPT-5″، أول نموذج تصنفه الشركة ضمن مستوى الخطر الأقصى في مجال الأمن السيبراني.
غياب التأطير القانوني والتنظيم الذاتي
في ظل غياب تنظيم حكومي، تطبق “أوبن إي آي” قواعدها الداخلية التي تلزمها بتعزيز حواجز الأمان قبل أي عملية إطلاق، وهو ما اضطرها إلى إرجاء طرح هذا النموذج. وبناءً على ذلك، يشتمل “أسترا” على نظام مراقبة متطور قادر على التدخل لوقف أي مهمة غير مصرح بها. من جهتها، توفر منافستها “أنثروبيك” (Anthropic) نموذجها الأقوى “ميثوس” (Mythos) لشركاء منتقين، بينما تضع نسخة مقيدة تحمل اسم “فابل” (Fable) رهن إشارة العموم.
وفي الولايات المتحدة، لا يوجد أي إطار قانوني يضبط هذه النماذج. غير أن مرسوماً وقعه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في يونيو الماضي، أقر إجراء فحص فيدرالي طوعي لأنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. وقد خضع “GPT-6” لهذا الفحص الذي “لم يسفر عن أي ملاحظات سلبية”، بحسب تأكيدات بروكمان. وفي يونيو الماضي، كانت واشنطن قد ألزمت “أوبن إي آي” بعرض قائمة شركائها الأمريكيين المخولين بالوصول إلى نموذجها الأقوى للمصادقة عليهم بشكل فردي، كما أجبرت “أنثروبيك” على تعليق نموذجها لنحو ثلاثة أسابيع لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي. لكن الشركة أوضحت لوكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، يوم الثلاثاء، أن العملاء لن يحتاجوا هذه المرة إلى أية موافقة حكومية مسبقة.
وخلال قمة مجموعة العشرين (G20) التي عُقدت يومي الثلاثاء والأربعاء في ولاية كارولينا الشمالية، رافعت واشنطن بقوة ضد تأسيس أي سلطة تنظيمية جديدة للذكاء الاصطناعي. في المقابل، دعا كبير علماء “أوبن إي آي”، جاكوب باتشوكي، يوم الخميس، إلى إرساء “معايير أمان مشتركة” و”تنسيق دولي”، وذلك بعد يومين فقط من دعوة أطلقتها “أنثروبيك” لاعتماد آلية “قابلة للتحقق” لإبطاء وتيرة التطوير.
نموذج يستعصي على المراقبة
وتقر الشركة بأن تتبع مسار الاستنتاج المنطقي للنموذج الجديد بات أصعب مقارنة بسلفه، نظراً لقدرته على حل المشكلات عبر خطوات مقروءة أقل، مما ينذر بخطر خروج الأداة عن سيطرة المشرفين عليها. وفي هذا الصدد، صرح باتشوكي: “لا يمكننا اعتبار وضوح هذه المسارات أمراً مُسلماً به”، مشدداً على ضرورة أن تكون الشركة “مستعدة لإبطاء الوتيرة” إذا لم تكن الثقة في حواجز أمانها كافية.
وفي تقرير نُشر أواخر غشت حول هجوم اختباري نفذته أدواتها ضد منصة “هاغينغ فيس” (Hugging Face)، كشفت “أوبن إي آي” أن وكيلاً للذكاء الاصطناعي، يعتمد على نموذج داخلي من “نفس عائلة” أسترا، تمكن في 19 يوليوز من السيطرة لفترة وجيزة على جزء من خوادم البحث التابعة لتلك المنصة.
وبعيداً عن هواجس الأمن السيبراني، تقدم الشركة “GPT-6” كنموذج قادر على استخدام الحاسوب بمفرده؛ إذ يمكنه إنجاز كافة الخطوات اللازمة للبحث عن سكن في غضون عشر دقائق فقط، مقارنة بست ساعات يستغرقها فاحص بشري، وذلك استناداً إلى تجارب الشركة التي نسبت إليه أيضاً تحقيق اكتشافين في حقل الرياضيات.
وتؤكد “أوبن إي آي” أن “GPT-6” ينجز مهامه بتكلفة أقل من سلفه، رغم أن أسعاره تظل، على غرار أسعار “أنثروبيك”، من بين الأعلى في السوق. ورداً على سؤال حول المنافسة التي تفرضها النماذج المفتوحة منخفضة التكلفة، لاسيما الصينية منها، أبدى غريغ بروكمان ثقة تامة قائلاً: “المعيار الأهم هو التكلفة الإجمالية لكل مهمة”.
وتستعد “أوبن إي آي”، التي تجاوزتها “أنثروبيك” من حيث حجم الإيرادات في الربع الثاني، لطرح أسهمها للاكتتاب العام في البورصة بحلول عام 2027، في حين يخطط منافسها للقيام بخطوة مماثلة خريف هذا العام. ورغم الانتعاش الهائل في إيراداتهما، لا يزال القطبان الأمريكيان يضخان عشرات المليارات من الدولارات في استثمارات تهدف إلى تأمين الرقائق ومراكز البيانات الحيوية لقيادة هذه الثورة التكنولوجية.







