يستقبل المغرب واحدة من أشد فترات الصيف حرارةً بوضعية مائية مريحة ومطمئنة، حيث سجلت السدود قفزة نوعية في نسبة ملئها مقارنة بالعام الماضي. ورغم تأثير موجات الحر الحالية على مستويات الاستهلاك والتبخر، إلا أن الأرقام تعكس تحسناً كبيراً يعزز الأمن المائي للمملكة خلال هذه الظرفية المناخية الدقيقة.
انتعاشة غير مسبوقة وتراجع طفيف
بلغت المخزونات المائية في سدود المملكة، بحلول 3 غشت 2026، ما يناهز 11.89 مليار متر مكعب، مسجلة نسبة ملء إجمالية تقارب 69.8%. وتُمثل هذه الأرقام تطوراً لافتاً بنسبة 101% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي (2025)، حيث لم تكن تتجاوز نسبة الملء حينها 35.3%.
ومع ذلك، أدى الارتفاع الكبير في درجات الحرارة وتزايد الطلب على الماء الشروب ومياه الري خلال الأيام الأخيرة إلى تراجع طفيف في الحقينة. فقد فقدت السدود حوالي 0.8% من مخزونها في ظرف أسبوع واحد، متراجعة من 70.6% (المسجلة في 27 يوليوز) إلى 69.8%، نتيجة الاستهلاك المكثف وعوامل التبخر.
أحواض الشمال والوسط في الصدارة
تظهر البيانات تفاوتاً واضحاً بين مختلف الأحواض المائية، حيث تستحوذ أحواض الشمال والوسط على حصة الأسد بفضل التساقطات المطرية المهمة خلال الموسم الأخير:
-
حوض تانسيفت: يتصدر الترتيب الوطني بنسبة ملء قياسية بلغت 85.2%.
-
حوض اللوكوس: سجل نسبة 83.2% بمخزون يقارب 1.63 مليار متر مكعب، مع تجاوز عدة سدود لعتبة 90% (دار خروفة، الشريف الإدريسي، طنجة المتوسط، والخروب).
-
حوض سبو: يُعد الخزان المائي الأكبر في البلاد بحجم يبلغ 4.46 مليار متر مكعب (بنسبة 82.9%). ويحافظ سد “الوحدة” (الأكبر وطنيا) على مخزون يقارب 3 ملايير متر مكعب بنسبة ملء تصل إلى 86%.
تباين صارخ في حوض أم الربيع
سجل حوض أم الربيع نسبة ملء إجمالية بلغت 61.6%، بمخزون يتجاوز 3 ملايير متر مكعب. غير أن هذه الأرقام تخفي تفاوتاً كبيراً بين سدوده؛ ففي الوقت الذي امتلأ فيه سد “سيدي إدريس” بالكامل (100%) وسجل سدا “الحسن الأول” و”بين الويدان” نسباً مرتفعة (92% و86% توالياً)، لا يزال سد “المسيرة” (ثاني أكبر سدود المملكة) يعاني من شح المياه بنسبة ملء لا تتجاوز 40% (1.09 مليار متر مكعب).
إجهاد مائي مستمر في الجنوب والشرق
لا تزال الأحواض الجنوبية والشرقية تواجه تحديات هيكلية بسبب الإجهاد المائي، رغم بعض التحسن الملحوظ:
-
حوض درعة-واد نون: تستقر نسبة الملء في حدود 33.2%، مع نسب متواضعة في سدي أكدز (40%) ومنصور الذهبي (39%).
-
حوض سوس-ماسة: سجل نسبة 50.2%، لكن مع مفارقات حادة؛ حيث يقترب سد “مولاي عبد الله” من 89%، بينما يغرق سد “المختار السوسي” في الجفاف بنسبة لا تتعدى 10%.
-
حوضا كير-زيز-غريس وموية: بلغت نسبة الأول 42.4%، بينما سجل حوض الملوية 57.3%، مع بقاء سدود استراتيجية مثل “محمد الخامس” في مستويات حرجة (20%).
دعوة لاستمرار اليقظة وترشيد الاستهلاك
شكلت هذه الطفرة المائية درعاً واقياً للمملكة لتأمين مياه الشرب وإنقاذ المواسم الفلاحية وتخفيف الضغط خلال ذروة الصيف. غير أن السلطات تؤكد أن هذا الارتياح المؤقت لا يعني نهاية أزمة الإجهاد المائي؛ فالتغيرات المناخية المتسارعة وموجات الحر المتتالية تفرض الإبقاء على حالة اليقظة، وتجعل من التدبير الاستباقي وترشيد استهلاك المياه خياراً استراتيجياً لا محيد عنه.







