في خطوة تصعيدية تعكس حالة الاحتقان الجيوسياسي في شرق آسيا، أطلقت كوريا الشمالية، يوم الخميس 6 غشت، صاروخاً باليستياً واحداً على الأقل باتجاه مياه بحر اليابان.
ويأتي هذا الإطلاق في خضم توترات دبلوماسية وعسكرية متصاعدة بين بيونغ يانغ وطوكيو، على خلفية مساعي اليابان لتعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التهديدات الإقليمية.
تفاصيل الرصد والاستنفار العسكري
أعلنت هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية في بيان موجه لوسائل الإعلام، أن أنظمة المراقبة التابعة لها التقطت انطلاق صاروخ باليستي قصير المدى من منطقة “وونسان” الساحلية في كوريا الشمالية، وذلك في تمام الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي (العاشرة صباحاً بتوقيت باريس).
تزامناً مع ذلك، سارعت وزارة الدفاع اليابانية عبر منصة “إكس” إلى تأكيد رصدها لمقذوف يُرجح أنه صاروخ باليستي، قبل أن تُطمئن مواطنيها في تحديث لاحق بزوال أي خطر مباشر يهدد الأراضي أو المياه اليابانية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الاستخبارات العسكرية في سيول وواشنطن تحليل البيانات الدقيقة لتحديد الخصائص التقنية للصاروخ، أعلنت كوريا الجنوبية عن رفع مستوى يقظتها وتشديد الرقابة على حدودها تحسباً لأي تطورات.
الكتاب الأبيض الياباني.. شرارة التصعيد
لم يأتِ هذا الاستعراض العسكري من فراغ؛ بل يُعد أول رد فعل ميداني بعد يوم واحد فقط من توجيه بيونغ يانغ انتقادات لاذعة لطوكيو، متهمة إياها بالتحول التدريجي إلى “دولة محاربة” من خلال توسيع نفوذها العسكري في المحيط الهادئ.
وتعود جذور هذا التوتر الأخير إلى “الكتاب الأبيض للدفاع” السنوي الذي أصدرته اليابان يوم الثلاثاء الماضي. ففي مقدمة الوثيقة، شدد وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، على الضرورة القصوى لتحديث القدرات الدفاعية للبلاد، محذراً من تنامي التهديدات النابعة من الصين، روسيا، وكوريا الشمالية. واعتبر كويزومي أن هذا التحديث يجب أن يُنفذ بإحساس غير مسبوق بـ “الاستعجال والأزمة”.
ولترجمة هذه الاستراتيجية على أرض الواقع، أقرت اليابان زيادة في ميزانيتها العسكرية لعام 2025 بنسبة 9.7% لتصل إلى 62.2 مليار دولار، وهو ما يعادل 1.4% من ناتجها المحلي الإجمالي، في أعلى مستوى للإنفاق العسكري للبلاد منذ عام 1958.
وعيد كوري شمالي وعقيدة نووية ثابتة
ردود الفعل الكورية الشمالية على التحركات الميدانية، رافقتها لغة وعيد شديدة اللهجة. فقد توعدت كيم يو جونغ، الشقيقة ذات النفوذ الواسع للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في بيان نشرته وكالة الأنباء المركزية الرسمية (KCNA)، بأن القيادة في بيونغ يانغ “ستلجأ إلى تفعيل خيارات عسكرية إضافية” كرد مباشر وحتمي على التحولات في العقيدة العسكرية اليابانية.
ويُذكر أن كوريا الشمالية باتت تعتبر نفسها “دولة نووية لا رجعة فيها” وتكرس ذلك في تشريعاتها، خاصة بعد الانهيار المدوي لقمة هانوي عام 2019 بين كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إثر خلافات جوهرية حول تفاصيل نزع السلاح النووي وتخفيف العقوبات. ومنذ ذلك الحين، زادت بيونغ يانغ من حدة خطابها العدائي، واضعة جارتها الجنوبية وحليف واشنطن الأبرز، في صدارة قائمة أعدائها.
طوكيو ترد: أسلحتنا للدفاع السلمي فقط
في مواجهة هذه التهديدات، امتنعت وزارة الدفاع اليابانية عن الانجرار إلى سجال مباشر مع تصريحات كيم يو جونغ. وأكدت الوزارة في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) أن الترسانة العسكرية للبلاد لا تزال في “حدودها الدنيا” ولا تهدف بأي شكل من الأشكال إلى توجيه تهديدات لدول الجوار.
وختمت طوكيو موقفها بتأكيد التزامها بدستورها السلمي، مشددة على أن “هدفنا الدفاعي ليس خوض الحروب بل منع نشوبها؛ وقدراتنا تقتصر حصرياً على الدفاع الشرعي عن النفس، بما يتماشى التام مع دستورنا والقانون الدولي”.







