في إحاطة شاملة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، رسمت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، صباح اليوم الثلاثاء، مشهداً معقداً للواقع السوري.
ووجهت اللجنة اتهامات صريحة لإسرائيل بارتكاب انتهاكات ترقى إلى “جرائم حرب” في الجنوب السوري، بينما وجهت، في الوقت ذاته، رسائل تحذيرية بشأن التحديات الحقوقية التي تواجه دمشق في مسارها الانتقالي، محذرة من أن تجاوز مبدأ المساءلة قد يعسّر جهود المصالحة الوطنية.
التحركات الإسرائيلية: توغلات واعتقالات تقوض الاستقرار
على الصعيد الميداني، أعرب متحدث باسم اللجنة عن “قلق بالغ” إزاء استمرار الخروقات الإسرائيلية في الجنوب السوري. واستناداً إلى جولات ميدانية شملت محافظتي درعا والقنيطرة، رصد الفريق الأممي نشاطاً عسكرياً إسرائيلياً متصاعداً شمل توغلات، وتسيير دوريات، ومداهمات، وصولاً إلى إقامة نقاط تفتيش مؤقتة وبنى عسكرية داخل الأراضي السورية.
ووثقت اللجنة إقدام القوات الإسرائيلية على توقيف مئات المدنيين السوريين، مشيرة إلى أنه حتى يونيو 2026، لا يزال 49 سورياً، بينهم طفلان، رهن الاحتجاز الإسرائيلي. واعتبر المسؤول الأممي أن بعض هذه الممارسات تصنف كـ”جرائم حرب”، مشدداً على أن هذه الانتهاكات الصارخة للسيادة السورية تزيد من تعقيد المشهد وتقوض بشكل مباشر جهود إرساء الاستقرار في البلاد.
الداخل السوري: هواجس حقوقية وامتحان “المرحلة الانتقالية”
في الشأن الداخلي، أقرت اللجنة بوجود تطورات إيجابية في سوريا، متمثلة في مشاريع إعادة الإعمار، وتسهيل عودة اللاجئين، ودمج بعض القوى في مؤسسات الدولة. إلا أن رئيس اللجنة ربط نجاح هذا التحول بضرورة تأسيس آليات شفافة للمساءلة، للتعامل مع “إرث الفظائع” وضمان عدم تكرارها.
وسلط التقرير الأممي الضوء على بؤر توتر حقوقية عدة؛ ففي محافظة السويداء، دعت اللجنة إلى كشف مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف الأخيرة، منددة بتقييد حريات التنقل والتعبير. كما حذرت من تنامي الاستهداف القائم على أساس طائفي، لاسيما الهجمات التي طالت أفراداً من الطائفة العلوية، فضلاً عن توثيق حالات اختطاف استهدفت النساء والأطفال.
وأبدت اللجنة قلقها من استمرار ممارسات الاحتجاز التعسفي والتعذيب بحق منتقدي الحكومة، والتهديدات التي تطال المدافعات عن حقوق الإنسان (بما في ذلك الفضاء الرقمي)، مشددة على ضرورة التزام دمشق بضمانات المحاكمة العادلة كشرط أساسي لنجاح المصالحة.
أزمة الشمال الشرقي: احتجاز تعسفي وإعادات قسرية
ولم يغفل التقرير الأوضاع المأساوية في شمال شرق سوريا، حيث يقبع أكثر من ألفي شخص — أغلبهم من النساء والأطفال — في مخيم “روج” ضمن ظروف وصفتها اللجنة بـ”الاحتجاز التعسفي واسع النطاق”. وطالبت المجتمع الدولي بتسريع عمليات استعادة رعاياه. كما كشفت اللجنة عن فتح تحقيق في عملية نقل طالت أكثر من 5700 رجل وفتى إلى العراق، في خطوة تمت خارج الأطر القانونية، مما ينذر بوقوع انتهاك خطير لمبدأ “عدم الإعادة القسرية”.
دمشق ترد: قطيعة مع الماضي ومسار قانوني للعدالة
في المقابل، دافع الممثل الرسمي لسوريا في جنيف بقوة عن موقف بلاده، مؤكداً أن دمشق أحدثت “تحولاً جذرياً في مقارباتها وسياساتها”، محققة “قطيعة تامة مع انتهاكات الماضي”.
وللتدليل على هذا المسار، استعرض الدبلوماسي السوري حصيلة عمل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، كاشفاً عن أرقام رسمية تعكس حجم الحراك القانوني؛ حيث صدرت أحكام في 5 دعاوى، بينما تنظر المحاكم في 12 دعوى أخرى. كما أحيل 69 ملفاً إلى قاضي الإحالة، ويخضع 1147 ملفاً للتحقيق، في حين تدرس النيابة العامة 1333 ملفاً.
وأكد المسؤول السوري أن محاكمات العدالة الانتقالية تجري في جلسات علنية بحضور مراقبين ومنظمات حقوقية، مع التزام تام بالمعايير الدولية واستقلال القضاء. وفي ملف المفقودين الشائك، أعلن عن إطلاق الهيئة الوطنية للمفقودين لمراكز استقبال العائلات وتطوير قاعدة بيانات مركزية للتعامل مع المفقودين والمقابر.
واختتم الممثل السوري كلمته بتوجيه أصابع الاتهام لإسرائيل، معتبراً أن أعمالها “العدائية” من قصف وتوغل واختطاف تعد اعتداءً سافراً على القانون الدولي، مطالباً مجلس حقوق الإنسان بممارسة ضغوط حقيقية لوقف هذه الانتهاكات وإجبار تل أبيب على كشف مصير المختطفين السوريين في سجونها والإفراج الفوري عنهم.







