في خضم تجاذبات سياسية متصاعدة، وجه وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، رسائل حازمة ترسم حدود التقارب الممكن مع الرباط، مشددا عبر شاشة التلفزيون الإسباني الرسمي (RTVE) على أن سيادة مدريد على سبتة ومليلية غير قابلة للتفاوض.
ويعكس هذا الموقف استراتيجية مدريد المزدوجة التي تقوم على التصلب المطلق في ملف السيادة لاستيعاب الضغوط السياسية الداخلية، والبراغماتية الحذرة في إدارة الأزمات الأمنية للحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع المغرب.
ورغم إدراك مدريد لحجم التداخل بين الخطاب الحزبي والموقف الرسمي في المغرب، قررت الدبلوماسية الإسبانية رسم خط فاصل وصارم.
فقد اعتبر ألباريس أن تصريحات بعض المسؤولين المغاربة حول المدينتين “غير مقبولة”، رافضا التبريرات التي قدمها نظيره المغربي ناصر بوريطة بكونها مجرد خطابات فرضتها حمى الحملات الانتخابية للأحزاب.
وترى مدريد أن هذه التصريحات، حتى وإن كانت موجهة للاستهلاك المحلي، تشكل تشويشا خطيرا يمس بعمق العلاقات الثنائية، مؤكدة بشكل قاطع أن الوحدة الترابية لإسبانيا تمثل “قضية دولة” تتطلب إجماعا سياسيا داخليا، ولن تطرح يوما على طاولة الحوار الثنائي.
ولم يكتفِ رئيس الدبلوماسية الإسبانية بالرد الثنائي، بل أعلن نقل المعركة الدبلوماسية إلى بروكسل، حيث تسعى مدريد إلى تعزيز الحضور المؤسساتي لسبتة ومليلية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، مستغلة خصوصيتهما الجغرافية المعقدة.
وتمثل هذه الخطوة محاولة استراتيجية لـ”أوربة” الوضع القائم، جاعلة من أي نقاش حول المدينتين مساسا بالحدود الخارجية لأوروبا بأكملها، مما يوفر لمدريد درعا سياسيا وقانونيا قاريا يقيها من أي مطالبات مستقبلية.
وعلى صعيد متصل، تعكس المقاربة الإسبانية لأزمة الهجرة الجماعية التي ضربت سبتة أواخر يوليوز الماضي، حرصا شديدا على فصل مسار السيادة المتوتر عن مسار التعاون الأمني الحيوي. فقد تجنب ألباريس توجيه اتهامات مباشرة للرباط بتدبير التدفق البشري، متكئا على النفي الرسمي المغربي والافتقار إلى أدلة مادية قاطعة، وهو موقف يقطع الطريق على استغلال المعارضة اليمينية للأزمة لضرب الائتلاف الحكومي.
وعوضا عن ذلك، وجهت مدريد أصابع الاتهام نحو الدينامية غير العادية على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرة إياها المحرك الأساسي للاختراق الحدودي، ومشددة على أن الأولوية القصوى حاليا هي استخلاص اليقين الاستخباراتي لضمان عدم تكرار السيناريو، وإدارة الملف بمنطق المسؤولية والوحدة الداخلية.







