تحت قبة الأمم المتحدة بجنيف، وعلى هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، شكّلت “دبلوماسية التنمية” محور نقاش أكاديمي وحقوقي رفيع، نظمته فعاليات مدنية تحت عنوان «التنمية في خدمة الإنسان.. من الهامش الجغرافي إلى المتن الحقوقي الكوني».
والتئم في هذه الفعالية الموازية، التي بادر إليها تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، خبراء وباحثون وحقوقيون من ضفتي المتوسط وإفريقيا، لتقاطع أسئلة الحق في التنمية مع إشكالات الهجرة، والوقاية من النزاعات، وبناء مسارات الاندماج الإقليمي.
المؤشرات التنموية بالأقاليم الجنوبية: من المبدأ إلى الأثر الملموس
وانطلق النقاش من تقييم الأثر الميداني للسياسات العمومية، حيث قدمت مينة لغزال، منسقة التحالف، قراءة تحليلية لتجربة الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية بوصفها نموذجاً ترابياً للتفعيل الفعلي للحق في التنمية.
واستعرضت المتدخلة مؤشرات كمية دقيقة تُظهر التحولات البيكولوجية والاقتصادية للمنطقة؛ إذ ارتفعت نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب في الوسط الحضري إلى 93,7 في المائة متجاوزة المعدل الوطني (72,9 في المائة)، بينما قفز معدل التمدرس للفئة العمرية بين 6 و22 سنة من 76,4 في المائة سنة 2004 إلى 97 في المائة سنة 2024.
وعلى الصعيد الاقتصادي، سجل الناتج الداخلي الخام للأقاليم الجنوبية نمواً سنوياً بلغ 7,7 في المائة ما بين 2014 و2023، متفوقاً على المتوسط الوطني (4,4 في المائة)، بالتوازي مع تراجع ملحوظ لمؤشر الفقر متعدد الأبعاد في جهتي العيون ـ الساقية الحمراء والداخلة ـ وادي الذهب.
واعتبرت لغزال أن هذا النموذج، القائم على الترابية والمشاركة والاستدامة، يمثل مقاربة ناجعة قابلة للتكييف في السياقات الإقليمية المتأثرة بالنزاعات الطويلة لتعزيز التعايش والاستقرار.
معادلة الهجرة والتفاوتات البنيوية
وفي مقاربة شائكة حول الهجرة والتنقل البشري، ركزت سارة باريسي، المديرة العامة للمرصد الدولي لحقوق الإنسان والبحث بإيطاليا، على تعقيدات العلاقة الرابطة بين التنمية وحركة السكان.
وأوضحت باريسي أن التفاوتات الاقتصادية والهشاشة المناخية تمثل المحركات الأساسية للهجرة القسرية، مشيرة إلى أن تحسين الأوضاع الاقتصادية لا يفضى بالضرورة إلى انخفاض فوري في حركة التنقل، بل قد يمنح الأفراد، في مرحلة أولى، قدرة أكبر على الهجرة، قبل أن ينعكس إيجاباً على المدى المتوسط في تقليص الهجرة غير الآمنة.
ودعت في هذا السياق إلى تبني سياسات وقائية ترتكز على الاستثمار المنتج في دول الجنوب، وتعزيز القدرة على التكيف المناخي، وتوفير قنوات آمنة ومنظمة للتنقل الإنساني.
المحور الأطلسي والتكامل الإقليمي بين المغرب وموريتانيا
من جهته، توقف الأكاديمي والناشط المدني الموريتاني، المعلوم أوبك، عند التحولات الجيوسياسية والاقتصادية في المجال الأطلسي المغاربي، معتبراً أن المنطقة تتخلى تدريجياً عن وضعية “الهامش الجغرافي” لتتحول إلى قطب تنموي واعد. واستحضر أوبك مشاريع البنية التحتية الكبرى، كالطريق السريع تيزنيت-الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي، بوصفها رافعات أساسية للربط اللوجستي والاقتصادي.
كما أبرز أهمية الجهوية المتقدمة في تمكين الفاعلين المحليين من صياغة السياسات التنموية، مقترحاً إحداث مرصد إقليمي مشترك لحقوق الإنسان والتنمية لواكب التحولات السوسيو-اقتصادية في فضاء شمال غرب إفريقيا.
إفريقيا: التنمية في مواجهة كلفة النزاعات
وفي البعد القاري، نقل أيمن عقيل، رئيس مؤسسة ماعت للسلام والتنمية ونائب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الإفريقي (منطقة شمال إفريقيا)، النقاش نحو التحديات الهيكلية التي تعرقل أهداف أجندة إفريقيا 2063 وأهداف التنمية المستدامة 2030.
وأشار عقيل إلى الفجوة التمويلية الضخمة التي تواجهها القارة والتي تقارب ستة تريليونات دولار، في ظل أزمة مديونية تستنزف نحو 100 مليار دولار سنوياً من الميزانيات الوطنية.
وحذر المتدخل من الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة للنزاعات المسلحة في مناطق كالسودان وإثيوبيا، داعياً إلى إدماج التنمية كأداة مركزية للوقاية من النزاعات وصنع السلام، لا كملف معزول عن الاستقرار السياسي.
واعتبر عقيل أن النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية يجسد نموذجاً حياً لما وصفه بـ”دبلوماسية التنمية” القادرة على مواكبة المسارات السياسية وتسوية النزاعات الإقليمية.
تتويجاً لأشغال هذه الفعالية، رفع المشاركون جملة من التوصيات إلى الآليات الأممية والإفريقية، مبرزين ضرورة إحداث مرصد مدني لتتبع الأثر الاجتماعي للمشاريع الكبرى، وتوسيع مشاركة النساء والشباب في صياغة السياسات المحلية، وإثراء أعمال آلية الخبراء الأممية المعنية بالحق في التنمية، بما يكرس دور الاقتصاد كرافعة أساسية لصون الكرامة الإنسانية والاستقرار الإقليمي.







