في سابقة تشريعية وحقوقية هي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، أقر البرلمان اللبناني، اليوم الثلاثاء، قانوناً يلغي عقوبة الإعدام بشكل رسمي، لينهي بذلك حقبة من التجميد غير الرسمي لهذه العقوبة التي لم تُنفذ في البلاد منذ عام 2004.
وجاء هذا القرار الحاسم خلال جلسة تشريعية مكثفة تمتد ليومين، ليضع لبنان في موقع ريادي على الخريطة الحقوقية الإقليمية والدولية.
وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً رسمياً واسعاً؛ إذ وصف وزير العدل اللبناني، عادل نصار، القرار من داخل قبة البرلمان بـ”التاريخي”. ولا يقتصر أثر هذا الإلغاء على البعد الإنساني فحسب، بل يمتد ليفكك عقدة دبلوماسية وقضائية طالما أرقت بيروت؛ فقد أوضح الوزير أن هذا التشريع سيزيل العقبات أمام استرداد المطلوبين للعدالة اللبنانية من الخارج، حيث كانت الدول المناهضة للإعدام ترفض تسليم الفارين خشية تنفيذ العقوبة بحقهم.
ومع هذا التعديل، يتجه القضاء اللبناني تلقائياً إلى تطبيق العقوبة البديلة الأشد، والمتمثلة في السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، لضمان استمرار الردع الجنائي في الجرائم شديدة الخطورة التي كانت مشمولة بالإعدام، كالقتل العمد مع سبق الإصرار، وجرائم الإرهاب، والخيانة العظمى، والتعامل مع العدو الإسرائيلي.
ويتزامن إقرار هذا القانون مع مناقشة البرلمان لملفات قانونية بالغة التعقيد، على رأسها مشروع قانون “العفو العام” الذي يثير انقساماً سياسياً وشعبياً حاداً.
وتكمن حساسية هذا الملف في تداخله العميق مع التوازنات الطائفية الدقيقة في لبنان، حيث يشمل العفو المقترح فئات متباينة وشائكة، بداية من الموقوفين الإسلاميين، مروراً بالمطلوبين بجرائم زراعة وتجارة المخدرات في منطقة البقاع، وصولاً إلى الفارين إلى إسرائيل من المنتمين لما كان يُعرف بـ”جيش لبنان الجنوبي”. وهو تداخل يجعل من تمرير هذه الحزمة التشريعية امتحاناً عسيراً للتوافقات السياسية الهشة في البلاد.
ويأتي الإنجاز الحقوقي الأخير تتويجاً لمسار تدرج فيه لبنان، برزت ملامحه بوضوح حين صوّتت بيروت في عام 2024 لصالح قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو لوقف تنفيذ عقوبات الإعدام عالمياً.
وقد ثمنت منظمة “هيومن رايتس ووتش” هذا التطور، حيث اعتبر الباحث رمزي قيس أن الإلغاء يمثل “قطيعة فعلية مع عقوبة قاسية وتعسفية”.
ولا شك أن هذا التحول يمنح المنظمات الدولية ورقة قوية للضغط، متخذة من النموذج اللبناني سابقة لإعادة النظر في التشريعات الجنائية في منطقة لا تزال دول عدة فيها تتصدر التقارير الدولية في معدلات تنفيذ أحكام الإعدام.







