أزاح تقرير استخباراتي إسباني حديث الستار عن الدوافع الخفية وراء موجات الهجرة الجماعية التي استهدفت مدينة سبتة المحتلة مؤخراً، نافياً أن تكون هذه الأحداث وليدة الصدفة أو نتاجاً لدوافع اجتماعية عفوية. و
خلص التقرير، الذي أعده الخبير الاستراتيجي في قضايا الأمن والإرهاب “تشيما خيل” ونشرت تفاصيله صحيفة “أتالايار”، إلى أن ما جرى كان ثمرة “هندسة رقمية” معقدة وحملة تعبئة عابرة للحدود قادتها شبكات منظمة عبر الفضاء الافتراضي.
المُحفّز القانوني: شرارة الانطلاق
حسب الوثيقة الاستخباراتية التي تقع في 70 صفحة، لم يأتِ توقيت هذه الحملة اعتباطياً؛ بل استند إلى استغلال ثغرة قانونية واضحة. فقد رصد المحلل الإسباني تصاعداً صاروخياً في وتيرة التحريض الرقمي فور صدور حكم عن المحكمة العليا الإسبانية مطلع شهر يوليوز 2026.
هذا القرار، الذي يمنع السلطات الإسبانية من الإرجاع الفوري للمهاجرين الذين ينجحون في بلوغ سبتة عبر البحر، جرى الترويج له على نطاق واسع باعتباره “ضوءاً أخضر” يضمن للمهاجرين البقاء في الفضاء الأوروبي بمجرد تجاوز حاجز “تراخال” المائي.
جغرافية التحريض: بصمات دولية وأرقام جزائرية
لم تكن مصادر التعبئة محلية، بل كشف التتبع التقني عن خارطة دولية واسعة النطاق أدارت هذه الحملة. وقد حصدت المحتويات المشجعة على الهجرة أكثر من 11 مليون مشاهدة، وصدرت بالأساس عن شبكة معقدة من الحسابات المتمركزة في أربع دول رئيسية هي: الجزائر، تونس، فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية.
ولعل أبرز ما توقف عنده التقرير هو “الدور اللوجستي” الذي لعبته مجموعات تطبيق “واتساب”. فقد أثبتت التحقيقات الرقمية أن العديد من هذه المجموعات، التي تكلفت بتوجيه المهاجرين على الأرض وتحديد مسارات الاقتراب ونقاط التجمع، كانت تُدار بشكل مباشر عبر أرقام هواتف تحمل الرمز الدولي للجزائر (+213).
تكتيكات اللامركزية وتوزيع الأدوار الرقمية
اعتمدت الحملة، التي بلغت ذروتها أواخر يوليوز تزامناً مع احتفالات عيد العرش في المغرب، على استراتيجية “اللامركزية”. ولم يقتصر الأمر على منصة واحدة، بل شمل تبادلاً وظيفياً للأدوار عبر مختلف التطبيقات خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى فاتح غشت 2026:
-
صناعة المحتوى: تكفلت حسابات نشطة على “تيك توك”، “إنستغرام”، “فيسبوك”، و”إكس” بصناعة مقاطع فيديو عاطفية وتحفيزية للحفاظ على استمرارية الزخم وإثارة حماس الشباب.
-
التضخيم والانتشار: تولت شبكة ثانوية من الحسابات مهمة إعادة النشر المكثف (Share/Retweet) لضمان اختراق هذه المقاطع لخوارزميات المنصات والوصول إلى أوسع شريحة ممكنة.
-
التوجيه الميداني: خُصصت تطبيقات المراسلة المغلقة (مثل واتساب) لنقل المعلومات الحساسة، كأوقات التحرك، ووسائل النقل، وتحديثات الوضع الأمني عند النقاط الحدودية.
منهجية الرصد وحدود التقرير
للوصول إلى هذه الخلاصات، اعتمد الخبير “تشيما خيل” على أحدث تقنيات الاستخبارات الحديثة، وتحديداً “استخبارات المصادر المفتوحة” (OSINT) و”استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي” (SOCMINT).
وحرص التقرير على التزام الدقة والموضوعية، مؤكداً أن استنتاجاته مبنية حصراً على تقاطع الأدلة الرقمية والتحليل الزمني للبيانات المتاحة للعموم. ولذلك، تجنب التقرير توجيه اتهام مباشر لأي جهة حكومية أو منظمة بعينها بالوقوف وراء الحملة، كما لم يحدد الهويات المدنية الحقيقية للمشرفين على تلك الحسابات والأرقام، مكتفياً بوضع الحقائق الجغرافية والتقنية الموثقة أمام صانع القرار.







