في تحرك عاجل تمليه لغة الأرقام وضغط الأحداث، حل رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، صباح اليوم الجمعة بمدينة سبتة المحتلة، في محاولة حثيثة لاحتواء أزمة هجرة غير مسبوقة.
الأزمة هذه المرة لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج ضغط ديمغرافي اعتيادي، إنما جاءت كثمرة استغلال دقيق لـ”فراغ قانوني” أحدثه قرار حديث للمحكمة العليا الإسبانية، مما حول مياه البحر إلى مسرح لصراع مفتوح بين إرادة الدولة ومناورات شبكات تهريب البشر.
سلاح التأويل القانوني
تعود جذور هذه المعركة الصامتة إلى شهر يوليوز 2026، حين أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً شكل نقطة تحول مفصلية في إدارة الحدود. فقد منعت المحكمة السلطات من تطبيق إجراء “الإرجاع الفوري” على المهاجرين الذين يبلغون الثغر المحتل سباحةً، ملزمة إياها باتباع مساطر قانونية وإدارية طويلة ومعقدة قبل اتخاذ أي قرار بالترحيل.
هذا المعطى القضائي الجديد تلقفته “مافيات الهجرة” بذكاء خبيث، وسارعت إلى تسويق سردية مضللة مفادها أن المياه لا تعترف بالحدود المادية، لتشجع بذلك مئات الحالمين بالعبور على اتخاذ البحر طريقاً آمناً للالتفاف على السياجات الحديدية وتجنب الترحيل التلقائي.
العوامات.. هندسة مادية لضبط النص القانوني
أمام ما وصفه بـ”الانتهاك الصارخ لسلامة أراضي إسبانيا”، لم يقف سانشيز مكتوف الأيدي. ففي خطوة تزاوج بين الهندسة الميدانية والتكيف القانوني، أعلن عن الشروع الفوري في نشر سلسلة من العوامات على امتداد الحاجز المائي للمدينة.
لا يقتصر دور هذه العوامات على المنع الجسدي فحسب، بل تمثل استراتيجية ذكية لترسيم “حدود مادية ملموسة” في عرض البحر؛ تهدف بالأساس إلى سحب الذريعة القانونية من شبكات التهريب، وتكييف الوضع الميداني ليطابق شروط المحكمة العليا التي تستوجب وجود عائق مادي لتبرير إجراءات المنع الصارمة.
مظلة إقليمية وأوروبية مزدوجة
وإدراكاً من مدريد بأن التحصينات المادية تظل قاصرة دون حزام أمني ودبلوماسي إقليمي، أفرد سانشيز مساحة واسعة من خطابه للإشادة بالتنسيق الوثيق والمستمر مع السلطات المغربية. وقد أثمر هذا التعاون، وفق تعبيره، عن بدء تنفيذ مساطر الترحيل السريع وتوجيه ضربات استباقية لشبكات الاتجار بالبشر.
وفي الوقت ذاته، لم تتخلف بروكسل عن تقديم غطائها السياسي واللوجستي؛ حيث سارع مفوض الشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي، ماغنوس برونر، إلى وضع إمكانات وكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتكس” (Frontex) رهن إشارة مدريد، في رسالة تؤكد أن أمن سبتة يُنظر إليه في العواصم الأوروبية كخط دفاع أمامي للقارة العجوز.
وفي ختام هذه الزيارة المشحونة بالدلالات، حرص المسؤول الإسباني على توجيه رسائل طمأنة للداخل ولساكنة المدينة المحتلة، مشدداً على أن أجهزة الدولة لن تدخر جهداً لضمان الأمن وحماية الحدود. وهو مسعى واضح لإنهاء أسطورة “الحدود البحرية المفتوحة”، وسحب البساط من تحت أقدام المعارضة اليمينية التي طالما اتخذت من تدبير ملف الهجرة ورقة سياسية للضغط على الائتلاف الحاكم.







