في خطاب مفصلي بمناسبة عيد العرش، رسم الملك محمد السادس خارطة طريق سياسية واقتصادية للمرحلة المقبلة، مؤكداً على صلابة المغرب كـ”دولة-أمة” تستمد مناعتها من انسجام مؤسساتها وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص.
ووجه العاهل المغربي رسائل حاسمة تهم تحصين المكتسبات الاستراتيجية، وإطلاق جيل جديد من الإصلاحات، معلناً عن تطلعه لانبثاق حكومة جديدة عقب الانتخابات التشريعية المقبلة لتدشين مسار تنموي قوامه “التحصين والاستمرارية”.
مناعة مؤسساتية وتدبير استباقي للأزمات
استهل الملك خطابه بالتأكيد على العمق التاريخي والمؤسساتي للمملكة، مبرزاً أن نجاعة عمل الدولة تتجلى في قدرتها الفائقة على مواجهة الكوارث الطبيعية، كالتدبير الاستباقي الناجح لفيضانات مناطق الغرب والشمال. كما اعتبر أن التنظيم المحكم للتظاهرات القارية والدولية الكبرى جعل من المغرب محط إعجاب عالمي، وأثار أحياناً “غيرة البعض”، في إشارة واضحة إلى تصاعد الإشعاع الجيوسياسي للمملكة.
أرقام قياسية وثورة صناعية تتجاوز “الفوسفاط”
على الصعيد الاقتصادي، كشف الخطاب الملكي عن مؤشرات صعود قوي؛ إذ استقر معدل النمو عند 4.9% خلال عام 2025 مع توقعات باستمراره في 2026، مدعوماً بموسم فلاحي متميز عزز الأمنين المائي والغذائي. إلا أن النقلة النوعية الأبرز تجلت في القطاع الصناعي، حيث أعلن الملك تحول المغرب إلى أول مصنع للسيارات في إفريقيا بقدرة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنوياً.
وفي معطى اقتصادي غير مسبوق، أوضح الملك أن صادرات قطاعي السيارات والطيران باتت تشكل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات الوطنية، متجاوزة بذلك قطاع الفوسفاط التقليدي.
وقد تعززت هذه الطفرة بدخول المغرب إلى “نادي الكبار” في صناعات دقيقة، شملت:
-
إطلاق قطاع مدمج لبطاريات السيارات الكهربائية.
-
التموقع كمركز عالمي لصناعة المحركات وأنظمة هبوط الطائرات.
-
تأمين الحاجيات الوطنية في الصناعات الغذائية والدوائية بنسبة تصل إلى 80%.
الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني: آفاق سيادية جديدة
وفي سياق دولي يتسم بالحمائية الجمركية، أعلن الملك عن توجه استراتيجي جديد يتمثل في إرساء قاعدة صناعية وتكنولوجية لـالصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.
واعتبر الخطاب أن هذا التوجه سيساهم في تعزيز السيادة الدفاعية وخلق فرص تنموية واعدة، مما يرسخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة. وعلى صعيد آخر، سجل القطاع السياحي إنجازاً تاريخياً في 2024 باستقطاب نحو 18 مليون سائح.
دعوة صريحة لتعبئة القطاع البنكي والمالي
لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي، حيث تم التأكيد على مواصلة تنزيل برامج التنمية البشرية وتعميم الحماية الاجتماعية لتحقيق العدالة المجالية.
ولضمان استدامة هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي يتطلب “موارد تمويلية غير مسبوقة”، وجه الملك نداءً مباشراً للقطاع البنكي الوطني بضرورة مواكبة المشاريع الكبرى، وإحداث نقلة في تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة.
ودعا العاهل المغربي القطاع المالي إلى ابتكار آليات جديدة لتعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية.
أفق سياسي جديد: الانتخابات وحكومة “التحصين”
وفي ختام الخطاب، وجه الملك محمد السادس رسالة سياسية بالغة الأهمية للطبقة السياسية، مشدداً على أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز “الزمن الحكومي والبرلماني” لكونها نتاج توجيهات استراتيجية عليا. واستشرف الملك المرحلة السياسية المقبلة قائلاً: “إننا لنتطلع بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وبانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها التحصين؛ تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى”.
وهو ما يعكس التوجه نحو مرحلة سياسية قادمة تضع المصلحة العليا للدولة فوق التجاذبات الحزبية، وتعزز من مكانة المغرب كشريك دولي موثوق يتجه نحو المستقبل بخطى ثابتة.







