يواجه متحف “اللوفر” في العاصمة الفرنسية باريس، وهو المتحف الأكثر زيارة عالمياً، أزمة بنيوية وأمنية صعبة غير مسبوقة، تفاقمت عقب تعرضه لعملية سطو مدوية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وأمام هذا الوضع، دق رئيسه الجديد ناقوس الخطر، مؤكداً أن المتحف يقف اليوم أمام “جدار من الاستثمارات الضخمة” لترميم وإصلاح بنيته التحتية وتجهيزاته التي باتت “تلفظ أنفاسها الأخيرة”.
بنية تحتية متهالكة
وفي جلسة استماع علنية ومطولة أمام لجنة الثقافة بمجلس الشيوخ الفرنسي، تحدث رئيس المتحف ومديره العام، كريستوف ليريبو (الذي عُيّن في منصبه في فبراير/شباط الماضي)، بكل صراحة قائلاً: “يمكننا قول ذلك دون مواربة؛ فرغم الهيبة الطاغية لمتحف اللوفر والجهود اليومية التي تبذلها أطقمه، إلا أن المتحف اليوم يعيش حالة إنهاك شديد، بعد أن وصلت تجهيزاته وشبكاته وبنيته التحتية إلى نهاية دورتها الافتراضية”.
ولمواجهة هذا التدهور، يدافع ليريبو بقوة عن “الضرورة القصوى” لتنفيذ مشروع ترميم عملاق أُطلق عليه اسم “لوفر النهضة الجديدة” (Louvre Nouvelle Renaissance)، وتقدر كلفته الإجمالية بأكثر من مليار يورو، وهو المشروع الذي كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن عنه في أوائل عام 2025.
تحديات التمويل وعائدات “لوفر أبوظبي”
لكن العقبة الأكبر التي تواجه إدارة المتحف تكمن في تأمين التمويل؛ إذ كشف رئيس اللوفر أنه يتعين عليه العثور في غضون الأشهر القليلة المقبلة على 360 مليون يورو عبر “الرعاية والتمويل المشترك من الشركات والخواص” (Mécénat)، لتمويل إنشاء بوابة دخول إضافية للمتحف، وتشييد قاعة عرض جديدة تحت الأرض مخصصة بالكامل للوحة “الموناليزا” (الجوكندا) الشهيرة لتقليل الاكتظاظ.
في المقابل، سيتم تأمين جزء آخر من التمويل بقيمة 300 مليون يورو من العائدات المتأتية من استغلال العلامة التجارية للمتحف الفرنسي في “لوفر أبوظبي” بدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي افتتح في إطار شراكة دولية عام 2017. وعلق ليريبو على هذه الضغوط المالية قائلاً: “إنه تحدٍّ هائل، ولا أعلم حقاً إن كنت سأنجح في تحقيقه، فالضغوط قوية جداً لتدبير هذه الموارد الكبيرة”.
مخاوف سياسية وتحديات لوجستية
ورغم أنه تم اختيار مجموعة من المكاتب الهندسية وخبراء الحدائق للإشراف على هذا الورش الضخم، إلا أن أشغال البناء لن تبدأ قبل عام من الآن. وأوضح رئيس اللوفر أن هذا التأخير مقصود بهدف استكمال الاستشارات الفنية واللوجستية، وأيضاً من أجل “إبعاد المشروع عن التجاذبات السياسية”، مما يعني أن ضربة الفأس الأولى لن تكون إلا بعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027.
وتتزامن هذه الإصلاحات مع تحديات لوجستية معقدة جداً؛ حيث أعلن ليريبو أنه سيتعين على إدارة المتحف نقل أزيد من 10 آلاف مزهرية يونانية أثرية من قاعات عرضها الحالية لإفساح المجال لأعمال صيانة وترميم كبرى في أحد أجنحة المبنى التاريخي.
ثورة أمنية لمحو “صدمة السطو”
ولم تكن البنية التحتية هي المشكلة الوحيدة التي تؤرق إدارة اللوفر؛ فحادثة سرقة أجزاء من مجوهرات التاج الفرنسي في 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عرت ثغرات أمنية خطيرة وتأخراً كبيراً في تحديث أنظمة المراقبة.
ورداً على ذلك، أكد ليريبو أنه أخذ الملف الأمني على عاتقه كأولوية مستعجلة، معلناً عن إطلاق نظام متطور جداً للمراقبة الرقمية بالفيديو بحلول يناير/كانون الثاني 2027، وتأسيس مركز تحكم أمني جديد بالكامل في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وذلك بعد الاستعانة بكاميرات إضافية مؤقتة في النقاط الحساسة التي ظهر عجزها أثناء السرقة.
وفي خطوة لترميم الثقة المنظومية، تم إسناد منصب “المنسق العام للأمن” إلى أوليفير غوبيل، وهو مفوض إقليمي سابق في الشرطة وكان يشغل منصب رئيس أمن شبكة النقل الباريسية (RATP). ويأتي هذا التعيين في محاولة لضخ دماء جديدة ومحو ما وصفه رئيس المتحف بـ “الجرح والصدمة العميقة اللذين ما زالا يخيمان على الموظفين وأجواء المتحف” منذ ليلة السطو الشهيرة.







