دخل العالم مرحلة جديدة من المنافسة الاقتصادية عنوانها “التجارة الخضراء”، بعد أن شرع الاتحاد الأوروبي في تطبيق آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، المعروفة إعلامياً بضريبة الكربون الأوروبية.
وتهدف هذه الآلية إلى فرض رسوم على الواردات القادمة من الدول التي لا تفرض سعراً مماثلاً لانبعاثات الكربون، بما يضمن حماية الصناعات الأوروبية من المنافسة غير العادلة ويحد من ظاهرة “تسرب الكربون”، أي انتقال الصناعات الملوثة إلى دول ذات معايير بيئية أقل صرامة.
وتشمل المرحلة الأولى من الآلية قطاعات كثيفة الانبعاثات مثل الحديد والصلب، والأسمنت، والألمنيوم، والأسمدة، والكهرباء، والهيدروجين، على أن يتوسع نطاقها تدريجياً خلال السنوات المقبلة. وبينما يؤكد الاتحاد الأوروبي أن هذه السياسة تمثل أداة أساسية لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، ترى العديد من الدول النامية أنها تشكل عقبة جديدة أمام صادراتها وقدرتها التنافسية.
وتخشى الاقتصادات النامية، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من أن تؤدي الضريبة إلى ارتفاع تكلفة صادراتها نحو السوق الأوروبية، وهو ما قد ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي وفرص التشغيل والاستثمارات. كما أن العديد من هذه الدول لا تمتلك بعد التكنولوجيا أو الموارد المالية اللازمة لخفض الانبعاثات بما يتوافق مع المعايير الأوروبية، الأمر الذي يضعها أمام تحديات كبيرة في التكيف مع النظام التجاري الجديد.
وفي المقابل، يرى بعض الخبراء أن ضريبة الكربون قد تمثل أيضاً فرصة للدول النامية لتسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. فمن خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، واعتماد تقنيات إنتاج أكثر استدامة، يمكن لهذه الدول تعزيز قدرتها التنافسية وجذب استثمارات جديدة في الصناعات الخضراء.
وتبرز قضية العدالة المناخية في صلب هذا الجدل، إذ تؤكد الدول النامية أنها لم تكن المسؤول الرئيسي عن الانبعاثات التاريخية التي أدت إلى تغير المناخ، في حين تتحمل اليوم جزءاً كبيراً من تكلفة السياسات البيئية الجديدة. ولذلك تدعو هذه الدول إلى توفير دعم مالي وتقني أكبر لمساعدتها على إنجاز التحول الأخضر دون الإضرار بمسارها التنموي.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التعاون الدولي لضمان ألا تتحول السياسات المناخية إلى أدوات لفرض حواجز تجارية جديدة، بل إلى وسائل لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة. فنجاح مكافحة تغير المناخ لا يتوقف فقط على خفض الانبعاثات، وإنما أيضاً على تحقيق توازن بين حماية البيئة وضمان حق جميع الدول في التنمية الاقتصادية، بما يجعل الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر مسؤولية مشتركة وفرصة يستفيد منها الجميع، وليس عبئاً تتحمله الدول النامية وحدها.






