تجاوزت تداعيات أحداث الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة المحتلة يوم 30 يوليوز الماضي الاستنفار الأمني، وامتدت لتُحدث شرخاً سياسياً وعلنياً غير مسبوق داخل الائتلاف الحكومي الإسباني الذي يقوده بيدرو سانشيز.
وتحولت الأزمة إلى ساحة لتراشق المسؤوليات بين وزارتي الدفاع والداخلية، في مشهد يكشف عن غياب التنسيق الاستراتيجي ويطرح تساؤلات عميقة حول إدارة الأزمات في مدريد.
روايتان متناقضتان: “التحذير المبكر” مقابل “صدمة الحجم”
أمام لجنة الدفاع في مجلس النواب، قادت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس هجوماً مبطناً حين أكدت أن أجهزة الاستخبارات (CNI) أدت دورها الاستباقي بكفاءة.
وكشفت روبليس أن السلطات المحلية في سبتة أُبلغت رسمياً يوم 29 يوليوز بوجود دعوات صريحة لتنفيذ هجرة جماعية سباحةً، بل وأشارت إلى أن هذه التهديدات نوقشت في اجتماع رفيع المستوى يوم 27 يوليوز.
في المقابل، سارع وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا لامتصاص هذه التصريحات التي تضعه في موقف “المُقصر”، نافياً بشكل قاطع توصله بأي تقرير استخباراتي يتنبأ بـ “حجم” التدفق البشري الذي حدث.
واعتمد مارلاسكا في دفاعه على التمييز بين “رصد منشورات عامة على شبكات التواصل” وبين “الإنذار الاستخباراتي الدقيق”، مؤكداً أن الاستشعار الحقيقي لخطر بحجم أزمة ماي 2021 كان سيستدعي تفعيل إجراءات استثنائية فورية من أعلى مستويات القرار.
الأبعاد السياسية: صراع الأجنحة وإدارة الفشل
تتجاوز هذه المواجهة العلنية مجرد اختلاف في تقييم المعلومات، لتلامس أبعاداً سياسية حساسة داخل حكومة سانشيز:
-
تنصل من المسؤولية السياسية: يعكس الخلاف محاولة كل وزارة حماية صورتها السياسية؛ فالدفاع تسعى لتبرئة ذمة الاستخبارات العسكرية، بينما تحاول الداخلية تجنب تحمل فاتورة “الإخفاق الأمني” أمام المعارضة اليمينية المتربصة.
-
أزمة ثقة داخلية: خروج هذا التباين إلى العلن يشير إلى هشاشة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسبانية، مما يضعف موقف الحكومة في تدبير ملفات حساسة كالهجرة والحدود.
عسكرة الأزمة لامتصاص الغضب
وفي محاولة لتدارك الموقف وإظهار الحزم أمام الرأي العام، كشفت وزارة الدفاع عن لجوئها لخيار “العسكرة الكثيفة”. فقد تم نشر أكثر من 3000 عسكري في محيط سبتة، مدعومين بتعزيزات من جزر الكناري والبليار. ولم يقتصر الأمر على البر، بل امتد إلى استعراض القوة البحرية عبر نشر فرقاطتي “نافارا” و”سانتا ماريا” وسفن دورية أخرى، في تحرك يهدف إلى طمأنة الشارع الإسباني أكثر من كونه حلاً جذرياً لأزمة الهجرة.







