في تشخيص استراتيجي دقيق لواقع المرفق العام بالمغرب، وجهت مؤسسة وسيط المملكة، عبر “مذكرة يقظة” حديثة، رسائل حازمة للفاعلين السياسيين والمدبرين الحكوميين.
وطالبت المؤسسة بإحداث قطيعة جذرية مع المقاربات التجزيئية، داعية إلى الارتقاء بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية إلى مصاف “السياسة العمومية الأفقية” التي تستند إلى قيادة حكومية واضحة، وتضمن التقائية التدخلات واستمرارية البرامج بعيداً عن التقلبات السياسية.
المواطن.. المقياس الفعلي لنجاعة السياسات
انطلقت المذكرة من مقاربة واقعية تضع تجربة “المرتفق” في صلب تقييم العمل الحكومي؛ فالمواطن لا يختبر نجاعة السياسات العمومية عبر الوثائق البرنامجية أو التصريحات الرسمية، بل من خلال احتكاكه اليومي بشبابيك الإدارة.
واعتبرت المؤسسة أن الحقوق الدستورية الكبرى —كالحق في الصحة والتعليم والسكن والماء— تظل مجرد التزامات نظرية ما لم تتحول إلى تجربة ملموسة، يجد فيها المواطن إدارة منصتة، قادرة على التوجيه، محترمة للآجال، ومعللة لقراراتها. وعليه، فإن إصلاح الإدارة يمثل “الممر الإلزامي” لترجمة أي التزام عمومي إلى أثر اجتماعي حقيقي.
من الاستعراض الانتخابي إلى صرامة المؤشرات
في نقد مبطن للبرامج الانتخابية والحكومية التي تكتفي بسرد النوايا وتعداد المشاريع، طالبت المذكرة بالانتقال إلى “التزامات قابلة للقياس والتتبع”. واقترحت إرساء منظومة وطنية لتقييم الأداء الإداري، لا تكتفي برصد حجم الإنفاق، بل تجيب على سؤال محوري: “ما الذي وصل فعلياً إلى المواطن؟”. وتتأسس هذه المنظومة على مؤشرات دقيقة، تشمل:
-
الالتزام الصارم بآجال الرد على طلبات وتظلمات المرتفقين.
-
القياس الفعلي لنسبة المساطر المبسطة بعيداً عن التعقيد البيروقراطي.
-
تقييم جودة الاستقبال ونجاعة قنوات التظلم.
-
رصد مدى تفاعل الإدارات مع توصيات المؤسسات المعنية بحماية الحقوق.
التعديلات الحكومية وخطر التنصل من الالتزامات
توقفت المذكرة بجرأة عند ظاهرة بالغة الخطورة، تتمثل في تداعيات التغييرات الحكومية وإعادة الهيكلة الوزارية على سير المرفق العام. فغالباً ما تُفرز هذه الفترات الانتقالية “فجوة عملية” تتجلى في ضياع الأرشيف، وتباطؤ معالجة الملفات الجارية، وصعوبة تحديد المخاطب الإداري المسؤول.
كما سجلت المؤسسة، بامتعاض، لجوء بعض الإدارات —لا سيما المجالس المنتخبة— إلى التنصل من التزامات وتعاقدات أبرمتها خلال ولايات سابقة، خاصة تلك التي تحمل تبعات مالية، متذرعة بغيابها عن محاضر تسليم السلط أو بناءً على تقديرات جديدة.
وفي هذا الصدد، شددت المذكرة على ضرورة حماية “الذاكرة المؤسساتية”، مؤكدة أن تعاقدات الإدارة تُلزمها انطلاقاً من مبدأ استمرارية المرفق العام، ولا ينبغي للمواطن أن يتحمل كلفة التغيرات السياسية أو سوء التقدير الإداري.
الرقمنة.. رافعة للتحديث أم واجهة جديدة للتعقيد؟
رغم إشادتها بورش الانتقال الرقمي كرافعة لتقليص المسافات وتخفيف الكلفة، دقت مؤسسة وسيط المملكة ناقوس الخطر إزاء اختزال الرقمنة في بُعدها التقني الصرف.
وسجلت المذكرة أن بعض التظلمات باتت تنشأ من تعقيد المسار الإلكتروني للخدمات، أو من غياب التفاعل بعد الإيداع الرقمي للطلبات.
وخلصت المؤسسة إلى قاعدة جوهرية: “التمييز بين رقمنة الخدمة وإصلاح العلاقة الإدارية”؛ محذرة من أن رقمنة الإدارة لن تُحدث التحول المنشود ما لم يرافقها تغيير عميق في فلسفة اشتغال المرفق العام وطبيعة علاقته بالمرتفق، لضمان خدمة مرنة، شفافة، وخاضعة للمساءلة.







