غيب الموت الفنان والمخرج الإيطالي يرفانت جيانيان، يوم 3 يوليو/تموز الجاري في مدينة ميلانو، عن عمر ناهز 84 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً بصرياً فريداً زخر بأعمال تاريخية وسياسية استثنائية. وطوال نصف قرن من الزمان، اتخذ جيانيان من الأشرطة السينمائية القديمة دليلاً وخيطاً لاستكشاف الماضي، ليبني جنباً إلى جنب مع شريكته الراحلة أنجيلا ريتشي لوكي (التي توفيت عام 2018)، مشروعاً سينمائياً تجريبياً ملتزماً.
شراكة فنية من رحم الأرشيف
تعود الجذور الأولى لهذه الثنائية الفنية الوثيقة إلى أواخر عام 1974؛ حين التقى جيانيان، القادم من عالم الهندسة المعمارية، بأنجيلا ريتشي لوكي التي كانت تدرس الرسم على يد الفنان النمساوي أوسكار كوكوشكا (والذي خصصا له فيلماً لاحقاً). وقد شكل عثور الثنائي على كنز سينمائي نادر نقطة تحول في مسيرتهما؛ إذ وقعت أيديهما على مجموعة من أفلام “باثي-بيبي” (Pathé-Baby) بقياس 9.5 ملم، والتي كانت تضم مشاهد للإمبراطورية الاستعمارية وإيطاليا ما قبل الحرب العالمية الأولى، بعدسة مصور متعاطف مع الفاشية.
إعادة كتابة التاريخ البصري
لم يكتفِ الثنائي بعرض تلك المواد الأرشيفية كما هي، بل عمدا في فيلمهما “من القطب إلى خط الاستواء” (1987) إلى تفكيك هذه المشاهد واستنطاقها بمعانٍ جديدة كلياً، دون أي خشية من مناقضة السردية الأصلية للصور بغية إظهار رهاناتها الحقيقية. هذه البصمة الإخراجية جعلت منهما أسماءً لامعة في فن “اللقطات المكتشفة” (Found Footage)، وهو تيار يعتمد على صناعة أفلام جديدة باستخدام مواد أرشيفية سابقة. وتلخيصاً لهذه الرحلة، صرحت لوكي لمجلة “ليزانروكوبتيبل” عام 2000 قائلة: “لقاءنا هو ما جعل منا صُناع سينما. فإلى جانب مشاعرنا المتبادلة، قررنا أن نعيش معاً لنصنع الأفلام”.
توثيق حي لعنف القرن العشرين
غاصت أعمال جيانيان ولوكي في أعماق عنف القرن العشرين ومآسيه، معتمدة على أرشيفات بصرية تم جمعها من روسيا، وفرنسا، وجمهورية التشيك، وإسبانيا، وألمانيا. وقد تميزت معالجتهما الفنية بتلوين هذه المواد، وتعديلها، وإعادة تأطيرها، وإبطاء حركتها، لتُعرض غالباً في أجواء قاتمة خالية من التعليق الصوتي، ومكتفية بالمؤثرات الصوتية. ومن خلال هذه التقنية، استكشف الثنائي قضايا حساسة كالمنفى، والاستعمار، والحروب؛ بدءاً من فيلم “ليل” (Nocturne) عام 1997 الذي صُور في سراييفو، وصولاً إلى “أمام غيرنيكا” (Frente a Guernica) عام 2023.
جراح عائلية واعتراف دولي
حظيت هذه المسيرة الفنية الحافلة باعتراف دولي واسع، حيث عُرضت أعمال الثنائي في “مهرجان البندقية السينمائي” (البيينالي والموسترا)، كما خُصصت لهما منصة استعادية شاملة في “مركز بومبيدو” بباريس عام 2015. ولم تغب الذاكرة الشخصية عن هذا المشروع، ففي عام 1986، قدم جيانيان، المولود عام 1942، فيلم “العودة إلى خُدورچور” (Retour à Khodorcuir)، والذي تناول فيه مأساة الإبادة الجماعية للأرمن من خلال شهادة والده الناجي منها، ليُبقي تلك الآلام العائلية والتاريخية حية في وجدان السينما العالمية.







