خلال أول زيارة له إلى مصر منذ عقد من الزمن، أجرى الرئيس الصيني شي جين بينغ مباحثات معمقة مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة، تصدرتها تطورات الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط. ودعا الزعيمان إلى تغليب “الحلول الدبلوماسية” لإنهاء الأعمال العدائية بشكل مستدام.
ونقلت وكالة “شينخوا” الرسمية عن الرئيس الصيني تحذيره الصريح من “التدخلات الخارجية”، مشدداً على مبدأ أحقية شعوب المنطقة في إدارة شؤونها الخاصة.
كما أبدى استعداد بكين للتعاون مع دول الشرق الأوسط لتأمين حركة الملاحة البحرية، التي تضررت بشدة جراء الهجمات المتكررة في مضيق هرمز الاستراتيجي لتجارة الطاقة العالمية.
استثمارات بمليارات الدولارات في قناة السويس
حظيت الزيارة بحفاوة بالغة تعكس حجم التطلعات الاقتصادية؛ إذ شهدت توقيع اتفاقيات بارزة، أهمها إطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المصرية-الصينية. وتحتضن هذه المنطقة حالياً نحو 200 شركة بحجم استثمارات يقارب أربعة مليارات دولار.
وستتيح هذه الخطوة، التي لم تُكشف تفاصيلها المالية بعد، تعزيز النفوذ الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في توقيت تهدد فيه الحرب الأمريكية-الإيرانية استقرار التجارة البحرية العالمية. كما أُبرمت سلسلة من الاتفاقيات الإضافية التي تكتمت السلطات المصرية على تفاصيلها.
رسائل جيوسياسية وتأكيد “الاستقلالية الاستراتيجية”
تكتسي الزيارة بُعداً استراتيجياً في ظل الضغوط التي تمارسها واشنطن لتضييق الخناق اقتصادياً على طهران وشركائها، والتي طالت مؤخراً فرع “بنك مصر” في الإمارات بسبب اتهامات بتسهيل تعاملات مالية مع إيران.
وفي مواجهة التهديدات الأمريكية بتوسيع العقوبات لتشمل مصارف صينية، تسعى بكين ـ المستورد الأكبر للنفط الإيراني ـ إلى حشد الدعم الإقليمي وتوطيد علاقاتها مع حلفاء واشنطن التقليديين، استباقاً للقاء المرتقب بين شي جين بينغ ودونالد ترامب أواخر شتنبر.
من جهتها، توظف القاهرة ـ التي تُعد من كبار المتلقين للمساعدات العسكرية الأمريكية وسيطاً تاريخياً في المنطقة ـ هذه الزيارة لإبراز “استقلاليتها الاستراتيجية”.
وأكد الرئيس السيسي في مقال نُشر مؤخراً على نهج بلاده المستقل، معتبراً أن عضوية مصر والصين في مجموعة “بريكس” تجعل منهما شريكين أساسيين لتعزيز ثقل “الجنوب العالمي” في نظام دولي يزداد استقطاباً.
بنية تحتية وتعاون عسكري متنامٍ
تجلت مظاهر التقارب الثنائي في شوارع القاهرة الكبرى التي تزينت بأعلام البلدين ولافتات تحتفي بـ”أجيال من الصداقة تجري كمياه النيل”.
وقبيل جولة الرئيس الصيني المقررة في المتحف المصري الكبير، برزت بصمة الاستثمارات الصينية المحورية في المشاريع الرئاسية الكبرى، وأبرزها تمويل وتشييد حي المال والأعمال بأبراجه الشاهقة في العاصمة الإدارية الجديدة.
ولا يقتصر التحالف على الجانب الاستثماري، بل يمتد ليشمل تبادلاً تجارياً ضخماً حققت فيه الصين فائضاً بلغ 12 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026.
وعلى الصعيد العسكري، تحولت مصر إلى أحد أبرز مشتري السلاح عالمياً، وتوجت هذا التعاون باستضافة مناورات جوية قتالية مشتركة ضخمة مع الجيش الصيني في شهر غشت الماضي، تصدرتها المقاتلة الصينية المتطورة “J-16”.







