طوت كرة القدم، اليوم الجمعة 31 يوليوز 2026، إحدى أنبل صفحاتها وأكثرها عبقاً بالتاريخ، بإعلان رحيل الأسطورة الإيطالية فرانكو باريزي عن عمر يناهز 66 عاماً.
لم تفقد اللعبة اليوم مجرد لاعب معتزل أو نائب فخري لنادي إيه سي ميلان، بل فقدت “سيد الليبرو”، والقلب النابض لخطوط الدفاع، والرجل الذي ارتقى بقطع الكرات وقراءة الخصوم إلى مرتبة الفنون الرفيعة.
بكلمات تقطر أسىً ووفاءً، نعى النادي اللومباردي قائده التاريخي، مؤكداً أن “ميلان يبكي باريزي”، وأن روحه ونزاهته ستظلان “محفورتين في الحمض النووي للروسونيري”. لقد غادر فرانكو تاركاً خلفه قميصه الأسطوري رقم 6، الذي جُمد إلى الأبد، ليظل شاهداً على وفاء رجل رفض خلع الألوان الحمراء والسوداء، حتى في أحلك ظروف النادي.
عرّاب “الليبرو”.. ذكاء يتفوق على القوة
لم يكن باريزي، المولود في ماي 1960، يمتلك بنية جسدية خارقة، لكنه كان يمتلك عقلاً كروياً استثنائياً يسبق حركة المهاجمين بخطوتين. منذ تصعيده للفريق الأول عام 1978 وهو دون الثامنة عشرة، أثبت أن الدفاع ليس مجرد التحامات بدنية، بل هو “توقع، تمركز، وقيادة”.
في سن الثانية والعشرين، تقلد شارة القيادة، ليصبح المايسترو الذي يُدير أعتى خط دفاع شهده تاريخ كرة القدم الأوروبية؛ حيث شكل جداراً فولاذياً لا يُخترق إلى جانب باولو مالديني، وماورو تاسوتي، وأليساندرو كوستاكورتا. هذا الرباعي أسس لمفهوم “مصيدة التسلل” واللعب المتقدم، ليحصد باريزي في رحلته الممتدة لـ719 مباراة (حتى اعتزاله عام 1997) حصيلة مرعبة من الألقاب، أبرزها:
-
3 كؤوس في دوري الأبطال للأندية الأوروبية البطلة.
-
6 ألقاب في الدوري الإيطالي الممتاز.
تراجيديا المونديال.. بين ذهب البدايات ودموع “باسادينا”
على الصعيد الدولي، ارتدى باريزي قميص “الأزوري” في 81 مباراة، ليعيش مسيرة دراماتيكية تلخص قسوة كرة القدم وجمالها في آن واحد. ورغم تتويجه بكأس العالم 1982، إلا أنه لم يطأ أرض الملعب، ثم غاب عن نسخة 1986 بسبب خلافات مع المدرب.
لكن الذاكرة الكروية تحتفظ له بمشهدين محفورين بالدموع؛ الأول حين توقف حلم إيطاليا في نصف نهائي مونديال 1990 بركلات الترجيح، والثاني – وهو الأقسى – في نهائي مونديال أمريكا 1994 أمام البرازيل.
في تلك البطولة، خضع باريزي لعملية جراحية في غضروف الركبة، وعاد بعد 22 يوماً فقط ليقدم في المباراة النهائية أداءً إعجازياً ضد روماريو وبيبيتو، قبل أن تخذله ركلات الترجيح مجدداً. دموعه التي انهمرت على عشب ملعب “باسادينا” آنذاك، جعلت العالم بأسره يتعاطف مع القائد المحارب.
حبل سري لا ينقطع.. وإرث إنساني بلا حدود
خلف تلك الملامح الصارمة التي أرعبت الخصوم، كان ينبض قلب إنسان مرهف. فرغم وعكته الصحية الدقيقة وإجرائه عملية لاستئصال عقدة رئوية في غشت 2025، أصر باريزي على البقاء قريباً من ناديه، مؤكداً في تصريح سابق أن “الحبل السري الذي يربطه بميلان لم ينقطع أبداً”، وهو ما يفسر نهاية تجربته التدريبية العابرة مع فولهام الإنكليزي في ظرف شهر واحد ليعود مسرعاً إلى دياره.
في سنواته الأخيرة، وجد باريزي ذاته بعيداً عن صخب الكاميرات، وتحديداً في شوارع الدول النامية عبر “مؤسسة ميلان الخيرية”. لقد سافر إلى المغرب، وكينيا، ولبنان، ليشارك الأطفال حفاة القدمين شغف اللعب في الأزقة المتربة. عن تلك اللحظات قال: “هذه المشاعر أكملت شخصيتي.. هناك رأيت الفقر وتعلمت الكثير”.
اليوم، تودع كرة القدم فرانكو باريزي، المدافع الذي علم الأجيال أن القيادة تضحية، وأن الدفاع فن، وأن الأساطير الحقيقية لا تموت، بل تخلد في ذاكرة العشب الأخضر إلى الأبد.







